2014-06-23

Day 1 - كيف تأكل وافل بالشيكولاتة بدون لحوسة



تخبرني أمي دائماً، أن صلاة الفجر بركة، وحكت لي قديماً أن جدّي كان يحرص على تلك الصلاة حتى أنهم كانوا يسمعون دق الملائكة الخفيف على نوافذهم ليستيقظوا، وأكد لي خالي ذات مرّة تلك القصّة، حتى أن ابنته أخبرتني أنها لم تكن تصدق حتى سمعت مع الأذان صوت طرقٍ سريع خفيف، على كل نوافذ المنزل دفعة واحدة، حتى أنها أصابها الخوف حين صار ذلك الأمر يتكرر كلّ ليلة، في الوقت نفسه..
حكت أمي لي كثيراً عن لطف الله الخفيّ، عن البركة والملائكة، عن جدّها الطويل ذو الوجه الأبيض، الأنف الدقيق والعيون العميقة الخضراء، حكت لي عن موته، وكيف أن أهل القرية من كانوا يسكنون على مقربة من المدافن شاهدوا نوراً فوق قبره، تلك القصة التي تداولتها الأسماع حتى صارت محض خرافة، أو أسطورة..
عادة ما تحكي لي أمي عن ذلك العالم الخفي، بما تملكه من معرفة ضحلة بشرية، لكنّها تحكي بفرحٍ وشغف، بإيمانٍ ثابتٍ، تعرف أني أفتقده، وتردد دائماً بأن عادة ما يسبق الإيمان الراسخ مرحلة شكّ وتذبذب، قد تصل حد الإلحاد، لكنّها تتطلب قلباً نقياً ليصل، عادة ما تتخذ من صلاة الفجر علامة رضا من الله عليّ، ولذلك ربما توبخني كثيراً هذه الأيام..
أمي أكثر طيبة مما ينبغي، ولا زلت أنظر إلى صورتها أمامي وأتساءل، كيف يمكن أن تبدو بهذا الخجل حتى في الخمسين؟

أستيقظ منزعجة، أحلامي عادت إلى فوضاها المعتادة، الأماكن الغريبة والأشخاص الأكثر غرابة، العيون المحدقة دون داعٍ، دون نية محددة، السلالم والصحراء والرائحة المألوفة، ثم الإنتباه على صوتٍ يعيدك إلى الواقع، فيتبخر كلّ شئ ولا يترسب سوى انزعاج يصاحبك طيلة اليوم، تعتقد صديقة أن أرواحنا تسافر حين نحلم، وعن تجربتها الشخصية حين شعرت وهي تستيقظ كأنها تسقط من الأعلى إلى جسدها المستلقي، فازداد إيمانها بأن الأرواح تجد طريقها الخاص وتلتقي، لكنّي توقفت عن التصديق بتلك النظرية، فأحلامي ممتلئة بالعبث، والظلام، ولا أحب أن أفكر أن روحي تستهوي الأماكن السيئة فقط.

تتردد أغنية قديمة في رأسي، but you didn't have to cut me off, make it like it never happened and we' were nothing، أرددها وأنا ألعن لا وعيي لأنه يصر على قذف إدراكي بحقائق لا رغبة لي في إدراكها، مرّ أكثر من عام منذ أن سمعت هذه الأغنية بالذات، لكنّها عادت من اللاشئ هذا الصباح، أستسلم للإيقاع وأصطحب عقلي في نزهة قصيرة إلى خزانة "الحاجات اللي المفروض نتجاهلها"، نعيد تنظيم المكان، نتذكّر لبضع دقائق، ثم نغلقها كما كانت، أربت على كتف عقلي وأردد "ياريت تتهد بقى"، فيقف للحظة، ثم يضغط باستفزاز على زرار الـ replay، فتعاد الأغنية من البداية: now and then I think of when we were together..

and it keeps getting worse..

أتساءل، هل تلك الرعشة التي أصابت ركبتي فجأة هي تعبير داخليّ عن الغضب؟ أنظر إلى الطفلة النائمة في هدوء وأبتسم، لماذا لا نظل هكذا؟ نلعب الغميضة مع الملائكة ونبكي حين نجوع، ولا تتجاوز احتياجاتنا حد النوم والمداعبة، أدرك أن ذلك السؤال قتل بحثاً، دون إجابة مرضية، بل إن أكثر من يسألون مثل تلك الأسئلة يثيرون الشفقة، لقد صرنا أكبر وانتهى الأمر، أدرك أن حالتي تزداد سوءاً فأكتفي بالصمت والتساؤل، هل تلك الرعشة التي أصابت ركبتي فجأة هي نذير انهيار وشيك؟

أعود قبيل المغرب، أنتهي من الكثير من الأشياء فيعاود الظهور من جديد، أحاول أن أتذكر أشياء جديدة وأنا أدير مفتاح الباب بحرصٍ كي يعود إلى مكانه الخلفيّ في الذاكرة، عليّ أن أسقي نباتاتي، أتحدث إلى إحدى صديقاتي، أشاهد بعض حلقات هاوس، وأقرأ القرآن، أمي توبخني لأني لا أستيقظ لصلاة الفجر، عليّ أن أقترب أكثر، سأشاهد غروب الشمس من الشرفة، السماء زرقاء صافية، وقرب ، الأرض يتحول اللون إلى الرماديّ، كنت سأعتبر هذا غضبّ إلهي لولا أني أعرف تماماً أن ذلك الرماد هو احتراق وقود سيارات تملأ تلك المدينة، ودخان سجائر تنفث الغضب، وأنفاس تحترق، سأكتب شيئاً ما أيضاً، أذكر فيه كلّ ماحدث اليوم، وأذكر فيه تلك السماء وذلك اللون القاتم، سأحرص ألا أتطرق إلى الحديث عن ذلك الشئ الملقى في الخلف، والذي يستنفذ مني محاولات الهرب اليومية، ويبقى هوّ، بإصرار، كإبرة دقيقة توخزني كلّما حاولت الضحك.


2014-06-22

والدايرة اتقفلت




You know what sucks? hearing them all saying what you should do, and knowing deep in your heart that you can't do it, cause it'll be difficult.


يوماً ما أنا كنت بكتب كتير هنا، غيرت اسم المدونة لـ insanity ومش فاكرة سميتها كده ليه، كنت كل أما أبقى تعبانة آجي هنا واكتب، في كمية إحباط واكتئاب وزعل ف المواضيع القديمة محترمة، كنت باجي ف لحظة وأقول أنا بكتب لمين؟ بكتب لحد عشان يقرأ ويقولي أيوا أيوا أنا عارف الإحساس ده فمحسش إني لوحدي اللي بعافر، ولا عشان حد يقولي جميل استمري فأحس إن ليا لازمة، ولا كنت بكتب عشان انا محتاجة أكتب؟ لما كنت بوصل للنقطة اللي فيها بكتب عشان ألاقي حد يرد كنت ببطل كتابة، وأفضل فترة لحد ما أرجع للإحتياج، وأكتب عشان أنا محتاجة أكتب، ومش بيبقى فارق معايا ساعتها حد هيقرأ أو لا..

لما بحس إن الكلام بقى مكرر ومبتذل، بسكت، ومش بعرف أقول كلام متعاد من كتر ما طعمه بيبقى وحش، لما حد ينبسط باللي كتبته كنت بفرح وأقول أنا بعمل حاجة ليها قيمة، بس أنا عارفة دلوقتي إني عبيطة، زي ما مصطفى ابراهيم قال، كل اللي سيبته كلام..

أنا يمكن قلت الأفكار هنا ميت مرة بطريقة مختلفة، قولت إني هلون وهرسم وهنزل فراشات من السقف، والألوان مركونة ف الدرج بقالها أربع أشهر، جبت امبارح شاسيه عشان أرسم حاجة جديدة وحاسة إني مش هفتحه غير بعد شهرين تلاتة، لما أحس إني عندي رغبة أعمل حاجة، مش عارفة أنا ليه لسة مش قادرة أسيب حاجة ع الحيطة، ممكن عشان مش مرتاحة لسة، لما حد سألني النهاردة هتعملي إيه قولت هروّح وجه ف بالي صورة البيت القديم، وبعدين دماغي عدّل الصورة وفكرني إننا نقلنا، وإني ف مكان جديد لسة بتعرف عليه وبياخد على ريحتي ووجودي وعياطي وعصبيتي والضحك اللي ملوش سبب والكلام للهوا، حاسة إني محتاجة البيت يقوم بخطوة ناحيتي عشان أحبه، ومش عارفة هيعمل الخطوة دي ازاي، ومش قادرة آعمل حاجة لحد دلوقتي،

مش بذاكر، أو يعني كنت بذاكر وبطلت، أو يعني كنت بعمل نفسي بذاكر ودلوقتي بطلت أعمل نفسي بذاكر ومبذاكرش، المهم النتيجة واحدة، مش عارفة أذاكر ف الأوضة والبلكونة برغم المنظر الجميل اللي قدامنا بس مش مرتاحة، التوقيت اللي عدلوه خلّا ساعتي تتلخبط، المفروض المغرب ده يعني الساعة 6 ولسة بدري، لسة 6 ساعات على ما أنام أقدر أنجز فيهم، دلوقتي المغرب بقى 8، وباقي ساعتين تلاتة مش بعمل فيهم حاجة، بقول عاوزة أذاكر وحاسّة إني مش هوصل للنقطة اللي هتلكك فيها بالمذاكرة عشان أهرب من المشاكل، دلوقتي المشاكل موجودة بس مفيش مذاكرة ومفيش حاجة أهرب ليها، ولذلك أنا هنا عمالة أرغي ف كلام ملوش لازمة..

أنا بتضايق من نفسي كتير برده، كان مستر العربي زمان ف درس النسور ولا الصقور مش فاكرة، بيقولي في نوعين من البشر، نوع بيسعى للكمال ونوع بيتأقلم مع المساوئ ومتعايش معاها وبيها، النوع اللي بيحاول يوصل للكمال ده غالباً بيفضل يطلع فوق ويتسلق الجبل لحد ما حاجة تيجي توقعه وتكسر رقابته، ساعتها قعدت أضحك وأقول دي عالم هبلة، احنا فينا بلاوي، المهم إني بعد عمر ليس بطويل أوي افتكرت الموقف وتعليقي وضحكت عشان بقيت منهم، لما بشتكي لحد من حاجة دايماً يقولولي مش هتعرف تنقذي العالم كله، ومش هتعرفي تتفادي الغلط اللي بيحصل، وأنا فعلاً زهقت من المحاولة، وزهقت من إني تعبانة عشان بحاول عالفاضي أو عشان مش عارفة، يمكن ربنا جابني ف طب عشان عارف إني هيبقى عندي رغبة مرضية في تصليح كل حاجة مكسورة وأفضل مكان لfreak زيي إنها تنقذ العالم ببالطو وسماعة، بس whatever، أنا لسة كارهة المكان ده ومش عارفة أتعايش..

على فكرة والله أنا عمري ما كنت مستفزة، ولا بجحة، بس بما إن القاعدة العامة هي إنك تتعامل برد فعل مساوي ف المقدار مضاد ف الإتجاه فأنا بقيت بتعامل برخامة، وأحياناً بتناحة، مش عارفة دي حاجة كويسة ولا وحشة، بس أنا حالفة لافهم مالكوا يا مجانين!

المهم، لازم نذاكر، ونهرب، ونتجاوز إني بقيت the bad guy لمرة وأستسلم للعياط بدل ما أفضل أكبت ف نفسي وتيجي كحة جامدة تخليني أعيط بجد، هحاول أتأقلم إني لبست شبشب حد تاني ودلوقتي مقدرة ومتفهمة موقفه أكتر من الأول، وهحاول جاهدة إني أتغلب على الحاجة الملحة إني أروح أسأله وأقوله سامحت نفسك ازاي؟ عشان انا وحياة ربنا ما عارفة أرتاح.

على كلٍ، عوداً حميداً أيتها المدونة العزيزة، استعدي لتحمل الكثير من الـ bullshit في المرحلة القادمة، أشوفك كمان god knows when..

bye.

2014-06-08

Another dull day

Hey there,

what do you usually call that state when you don't know exactly whether you're happy or sad, how could you tell the difference between okay and not okay? I'm in that grey area for a while and I can't find my way out.

sometimes, sadness is so strong that I can feel it burning inside, feeling the distance and being unsatisfied with everything, nothing is helpful, nothing is delighting enough, other times I felt truly and unconditionally happy, like the moment I knew my cousin had this beautiful dream of me and my uncle, kissing me and hugging me and being happy. I couldn't help the happiness I felt when I knew my prayers reach him, and the massive urge to do more, read more Qur'an for him, and taking good care of Eman and help her live.

In between those two moments I'm completely lost. I'm not reading either, not making any improvement, not talking any steps forward.

God? he was near, or the nearest I have ever felt for a while, his blessings kept raining over me that I wrote a note to remind myself, I said "Doha, God is putting us upon another test, don't forget to be thankful, never stop saying Al7amdlAllah, never be cruel, he's so close that you could feel his merciful hand holding you, stay grateful", and despite all that, I don't seem to do my prayers with a full clear heart.

I started to get bad dreams all over again, but maybe because I overslept I kept dreaming about bad things, maybe the irritable bowl I have and the annoying headache were the reason, but anyhow, I don't feel any joy this morning and I'm too lazy to get a pill or make myself some tea.

this isn't helping, I watch a lot of House M.D. and still I think he's a complete jerk, all his crew actually, and those moment at the end of the show that reveals his humanity makes me hate him even more, that hypocrite who keeps breaking rules and making all the flaws of humanity look obvious that you could nearly see them inside you so you could hate yourself.

I need a book, a good one, and a cup of coffee.
A friend that talks about ice-cream would be good too.
should I say please?

2014-05-10

أقرب مسافة مُمكنة..

 

أمتلك الآن مخزوناً كافياً من أجنحة رحاب وذراتها الصغيرة الملوّنة، أذاكر قليلاً رغم أني لا أضيع الكثير من الوقت، أذاكر ببطء ربما، ببرود غالباً، لا أكترث إن كان الإمتحان غداً أو بعد غد، منذ متى أقلقني امتحان أصلاً؟ لا أذكر.
أفتح نافذة إلكترونية على "حواديت" وأخرى على "خفّة" كي لا تبتلعني المذاكرة وتجرّني جرّاً إلى الملل والإكتئاب، بلال ورحاب يمتلكون مساحاتٍ رحبة، تساعدني على تجاوز الوقت الذي ينقضي دون فائدة تُذكر.

أرى صورةً مُبهجة لبلالين كثيرة ملوّنة، فأبتسم، سأشتري الكثير من البلالين وأهديها لنفسي في عيد ميلادي القادم، اثنان وعشرون بالونة على وجه الدقة، احتفالاً بمرور كل ذلك الوقت على وجود اسمي حتى الآن مسجلاً على قيد الحياة، في صف البشريين، كوكب الأرض، مصر، الدور التاني، جنب النجيلة الخضرا اللي هناك دي. 

توفّى خالي الأسبوع الماضي، ولا زلت حتى الآن أصاب بالتباسات روحية، إذ أشعر للحظة أنه قريب، يربت على كتفي، يحتضنني، يضحك كعادته، تنطبع ملامحه بداخلي فجأة فأكاد ألمس طيفه، ثم يتلاشى مسرعاً، فأصاب بخيبة صغيرة، ثم أطيب خاطري مدعيةُ بأنه مستعجل، والعائلة كبيرة، لازم يلحق يعدّي علينا كلنا قبل المغرب، فالأرواح الطيبة لا يمكنها الطيران ليلاً.
منذ يومين، افترشت الأرض أنا وابنته أمام حقلٍ واسعٍ من الزرع الأخضر والزهور البيضاء الصغيرة، تحدثنا كثيراً، ثم نظرت فجأة إلى السماء ولوّحت له، ابتسمتُ، وأشرت إليها أن تنظر إلى الأعلى وتسلم عليه، فابتسمت، شردت قليلاً ثم استكملنا الحكي والضحك. 
من بين كُل موتاي، كان الأكثر استحقاقاً للحُب.

لم أبكِ إلا ليلةَ وفاته، كما لم أبكِ على جدتي أبداً، لديّ مشكلة حين يتعلق الأمر بالحزن على فقيدٍ ما، فأعتبر البُكاء اعترافاً برحيله، بغيابه المؤكد والنهائيّ، فيصعب عليّ تقبل تلك الحقائق كلّها بينما لا تزال رائحته تملأ أنفي، ولا تزال ملابسه وأشياءه وأدويته الطبية مختزنةً بقايا جسده، أكره أن أبكي بينما لا يزال وجهه محفوظٌ بعنايةٍ في الذاكرة، وقطع صغيرةً منه لا تزال تمشي على الأرض، وتتنفس.
لذلك ربما لن أبكِ على أحد، فقط سأصاب بجزعٍ حين أجد مكانه خالياً منه، فأظل في مكانِه لساعاتٍ أرصد ما بقي من التفاصيل، وأخرج ممتلئة به، دون رغبةً في فقدانه، فعلاً.
 تماماً كما ستفعل رحاب، ستوصيهم بألا يحزنوا حين ترحل، بل ستطلب منهم أن يدخلوا إلى حجرتها، يفتحوا الشبابيك للشمس، يجربوا كل ملابسها ويضعوا عطورها ويأخذوا ما أرادوا من حليها وأدوات التجميل، ويستمرون في الحكي لساعات، ببساطةٍ.. يبقونها على قيد الحياة.

على الرغم من ذلك، يتكاثر الحزن ذاتياً بداخلي، يلتهم كل ما ترسب في القاع من افتعالات ومشاعر مخزّنة، يساعدني على التخلص منها تماماً، لكنّه يترك أثراً خفياً، فيجعلني أبدو أكثر صلابةً بينما هو يقتلني ببطء وثبات.

 أقرأ كثيراً، وأحاول أن أتغلب على الروتين بالفوضى، أفكر في الفراشات التي سأدليها من السقف، والألوان التي سأضيفها إلى الحائط، كما أبحث عن طريقةٍ مبتكرة لصنع رفٍ للكتب الحميمة الدافئة، وأفكر كثيراً بامتلاك قطّة، سأدخر لاقتنائها أول نقودٍ تُوضع في يدي، سأقرأ العلامات بتأنٍ، وأكتب كلما داهمني حلم يقظةٍ أخر، وربما أرسم أيضاً.

تتراكم الأوراق بجانبي، وتتزايد معها رغبتي في صنع مراكب وطائرات ورقية، لكني أصمد أمام ذلك الكم من العبث، وأستمر في القراءة لساعات، أهمس دائماً بدعاءٍ ما فيجيبني الله في الحال، أنتهي بنومٍ مُريح وهدوءٍ داخلي، لا أثر لضجيج سابق، ولا لذكريات موجعة، فقط وسط هذا الظلام، أجد الكثير من نقط النور.

نور لطيف، يشبه طيفك حين يلامسني، فالبُعد على كل حال، هو أقرب مسافةٍ مُمكنة.. 




2014-04-20

مُرسلة إليك من أرض الملل




صديقي العزيز، فسدق باشا المقيم بحواري ذرات الهواء، جزئ الأكسجين رقم خمسة بعد المليون، هُناك..
أرسل إليكَ خطابي هذا عشان أحكيلك آخر الأخبار، التي تعرف نصفها مسبقاً.. 
أنا هنا، في مكانٍ ما على وجه الأرض يشبه غيره من الأماكن، الألوان القاتمة نفسها، والشعور المستقر بعدم الإنتماء، أعرف أنك ستخبرني أن الأماكن لا تتشابه أبداً، وحدها النفس تحمل العيون الزجاجية التي ترى التشابه ولا تقو على إدراك الإختلاف، لكني سأحاول إصلاح الأمر وأسوق إليك الخبر السعيد، بقيت بنام من غير كوابيس، وبنام كتير كمان، جدّي رحمه الله كان صالحاً يقرأ القرآن بانتظام ويصلّي الفجر يومياً، وحكت لي أمي كثيراً عن الملائكة، والأطياف الطيبة التي تحرس هذا المكان بالذات. هي بركة الحاج أحمد، كما يردد الجميع. 
المهم، أنا هنا، والجميع بقلوبهم الباردة هناك، منشغلين بأعمالهم التي لا تنتهي، أما الحب فهو يجد مساحةَ رحبة وقاعد ومربع في قلوب كل من حولي هنا، يظهر ذلك في نظراتهم، ابتساماتهم، وأطباق الطعام الممتلئة بكل ما هو شهيّ، وبسيط. 
إن شكوت لك الآن نسيانِهم لي ستوبخني، فلديّ ما يكفي من الإهتمام هنا، دون الحاجة إلى كل من يصرون على البقاء هناك. 
أتعرف؟ أحياناً يهمس باسمي، منادياً، فيختزل المسافات بيننا، ويهدم كل الأسوار التي أجاهد في بناءها كي لا يصل إليّ، في لحظة، فأشعر بالدفء، والتهديد في آنِ واحد. لماذا لا يتعلّم الجميعُ منه أبسط سُبل الوصال؟
ذلك الوصال الذي صار عصياً، وكلّت يداي من التشبث بأطراف الخيط الذي يترهل يوماً بعد الآخر، بيننا.
أراك الآن تضحك مني، تظن أنها فترة وهتعدي، سأعود إلى ما كنت عليه بعد عدةِ أيامٍ أنتهي فيها من النحيب ورثاء نفسي والسخط على العالم، وربما تكون على حق، لكنّ الصدأ الذي تتركه قطرات المطر على القلوب العاريةِ من الدفء يسمح لها بالتفتت، تدريجياً، وأشعر أني يوماً ما سأستيقظِ بنصف قلب، عاجز، من فرط التآكُل. 
على كلٍ لا تهتم، أخبرني كيف حال حبيبتك؟ ألا تزال تصنع لك دواءاً من عناقيد العنب والريحان؟
أخبرها بان أسطورة السعادة الأبدية لن تكتمل، ليس على هذه الأرض، فالأطفال صاروا غريبين في طفولتهم، الرجال صاروا يبحثون عن سبلٍ مريحةٍ لكسب الرزق، والزوجات صرن يقاومن نقص الحب والهرم.
خلقنا الله لنتدرّب على الفقد، منح أجسادنا قدرةً محدودةً على التحمل، وترك أرواحنا لتجاهد حتى تصل إلى منافذ النور، فتطمئن. 
أتعرف أني أحياناً أتساءل لم يسلبنا الله بعد العطاء؟ ويمنع عنا حين نطلب؟ ويتركنا لنتساءل عن السبب، يتركنا للتشتت، والتيه، ثم نستمر في ترديد أنه رحيم غفورٌ مجيب، دون إيمانٍ فعليّ برحمته، أو غفرانه؟
سأفجر رأسي عمّا قريب، وأرسل لكَ دعوةً لتشهد الإحتفال. 
اه صحيح، يزداد شحوبُ وجهه، وصارت عينُه إلى اللونِ الأصفر عوضاً عن الأخضر، لكنّه يزداد حناناً، وذلك يكفي، أما عنّ ذلك الطفل الصغير، فقد وقف حائراً حين رآه يتألم، أخذ يواسيه بلغته الطفولية قائلاً "علش" ثم انفجر باكياً، لأجله. 
بينما وقف الجميع يبكون الرحمة التي وضعها الخالق في فطرتهِ التي لم تتغير بعد. 
أتعرف أني أشكو إليهِ كثيراً؟ أخبره بأنهم ينصرفون عنّي وبقلبي وحدة، ثم أطلب منه باكية ألا يعلّق قلبي بأحدٍ سواه، أشعر أحياناً أن حائطاً صلباً يقف بين صوتي وبينه، وأذكر يوماً كانت الحمّى تحرق رأسي فدعوت، وسمعت صدى صوتي يتردد في سبع سماواتٍ عاليه، وأكاد أقسم أني سمعته ينادي.
أتظن أنه يسمعني؟ وبأن منعهُ لما اشتاقت نفسي إليهِ رحمة؟ فلربما كان العطاءُ بلاءا.
عزيزي فسدق، شكراً لأنك كنت هنا، ولأنك أنصت إلى حديثي المشتت، وكلّفت نفسك عناء الوصل بين معانيه، شكراً على كلِ حال لأنك تحمّلت كل ذلك الهري الذي كان يمكن اختصاره بجملة "أنا زعلانة على فكرة" التي لم أتمكن أبداً من إلقائها في وجه الجميع.
على كلٍ، إيمان بتسلّم عليك،

تصبح على خير بقى وكده.


 ضحى، 
مرسلة إليك من أرض الملل.


 

2014-04-07

خوف..



ظننتُ غروراً أننا قادرون على إيقافِ النزيف، وأن ما كُسر ذات مرّة يصيرُ عصياً على الوجع إلى الأبد. 
ظننتُ أني تخلّصت من كل ما في جعبتي من الحكايات، ومن البكاء، لكنّي اصطدمت بحائطي الزجاجيّ حين حاولت أخد خطوة واحدةٍ للأمام. 
عُدت، إلى نقطةِ بدايةٍ وسؤالٍ حائر، أأنت هُنا؟ أم هي نفسي تتوق إلى التعذيب والألم فتتمسّك بما بقى من آثارِ جرحك؟
أحقاً خذلتني؟ أم سهواً؟
أنبش بأظافري في ذاتي كي أجد إجابة، فإذا بي أنقض قبر الذكريات. 

لأن كل ما فات وما سيأتي، هو حلم سئ آخر، ليس لنا فيه سوى المشاهدة صامتين، ننظر إلى الفرح والبكاءِ معاً ولا نجفل، نعيش التفاصيل بكلّ ما نمتلك من الشعور، كمُخرجٍ ليس له دخلٌ في صناعة الأحداث، هو فقط يرى بمخيلته كلّ شئ بتلقائيةٍ وبتأثر، ينقلُ كل ما يراهُ إلى عيون الجميع دون أن ينطق كلمة، فيحيل المشاعر فوضى ويومض الأفكار في الأذهان، ثم لا يناله من التقدير شئ، ولا من المتعة إلا عناءَ الحكي الصامت.

صديقي الخائف، أتشعر أننا سننجو من تلك الظُلمةِ يوماً؟ 

لن أخبرك الحقيقةَ أبداً، لكني واثقة من أنك تعرف تماماً ما أتحدث عنه، الأدرينالين خاصّة، الإحتراق المستمرّ في قلبٍ يتكبّد عناء المحاولةِ، ولا يصل، الفِكر المنصرف عن كل شئ إلى شئ واحد، له قدسية غريبة تُجبرك على كُره كل ما لا يتصّل به، والوَلَه، بكل ما يمكن أن يمتلك -حتى بدون قصد- رائحته، والدعاء المستمرّ في جوف الليل لتنال من فرح الحياةِ نصيب، لتكتمل به، ولو مرّة واحدة.

كلّ ما يمكن أن يُقال، قد قيل. 
سأمر من هنا، كما مررت سابقاً، أنظر إلى فوضاي العبثية، كومةِ الإحباط المكدّسة، خليط الذكريات والصور، والفرح المُدلل الذي لم يكتمل. أعيد كل شئ إلى مكانِه، أردم قبر الذكريات كما كان، وأجتهد في إخفاء ابتسامةٍ منكسرة تلوح من حينٍ لآخر على وجهي، وربما أدعو أيضاً. 

ستمرّ من أمامي، كعادتك، ولن تلتفت، وسأتدرب كي لا أهتم. 

أكرهني كثيراً، بالمناسبة، تلك المثالية الحمقاء التي تسعى لجعل العالم مكاناً أفضل ليليق ببشريين مثقلين بالتعب والخوف مثلها، تكرههم بنفس القدر الذي تكره بهِ كل شئ تقريباً.

لا شئ يمكنه أن يفسّر ارتباكاتي الأخيرة، لا أحد يمكنه أن يتحمّل اضطرابي، لا أحد، وحدها أمي تستطيع أن تحتضنني وأنا أبكي بهستيريا، وحدها تحضر لي مِسْكاً وتنتبه حين أستقيظ فزعة من حلم سئ آخر، فتمرّر يدها على رأسي، وتقرأ، ثم تبتهل كثيراً كي لا يمسّني نصبٌ ولا جزع. 
حتى أمي يصيبها الملل، وتيأس مني، فتنظر إلى السماء وتسأل "لم عليّ أن أتحمّل كل ذلك الأذى؟"، لكن الله دائماً ينظر إلى قلبها العطر، فيجيبها صبراً، فتصبُر.

شئ في قلبي يحترق، فهل تشعُر؟ 





2014-03-29

الزرافات، ذوات الرموش الطويلة الكحيلة الحلوة.

كل ما هو آتٍ محضُ هري. وجب التنبيه!



"مسكين اللي شمسوا بتغيب، ياللي بيخاف هبوب الريح.."

آه، لو كان العالم كلّه يعمل بضغطةِ زر، سأصير ملكة، أُحمل رغماً عن الجميع على كُفوفِ الراحة، كنت سأوقف الضجيج حولي اليوم للحظة حين كنتُ على وشكِ البكاء، ثم استكملت سماعه والاستمتاع بالفوضى كما يفعل باقي القطيع، كنت قتلت من كان يشغل الكرسي بجانبي، قتلة شنيعة، بلا رحمة، ولتمكنت من غلق فمك تلقائياً حين يفقد الكلام معناه ولا يبقى سوى المعنى المستقر في العيون، ولتمكنت حتماً من استباق الوقت لأعرف إن كنت سأخرج سالمةً من كل ما يحدث لي أم لا، وبلا شك لأغلقت ذلك الراديو المزعج بجانبي دون الحاجة إلى الخروج من تحت البطانية العزيزة الدافئة. آه، لو كان العالم كلّه يعمل، بضغطة زِر. 

توقفت عن الكتابة للمساكين، لسبب لا أعرفه، هكذا أنا، أفعل شئ ما بحماسة في البداية، ثم أفقد الإهتمام، وأهمله، فيهملني، وأعود أشكو الفراغ ويلتف حولي الحزن غير المبرر، أتظنون أني على حافة الـ psychosis؟ صدقوني حين دار ذلك السؤال بعقلي رددت بصوتٍ عالٍ كأني أتحدث إلى شخص موجود بالغرفة قائلة "you're already psychotic my dear"
سأنقذ حياتك؟ هل تصدق ذلك حقاً؟ من منا بحاجةٍ إلى الإنقاذ يا عزيزي؟

التفاصيل الصغيرة، يدها البيضاء الممتلئة، أصابعها المنمقة، وخاتمها الضخم يزين سبابتها، تهتز يدها مع الإيقاع في تناغم، كأنها تعزف على آلةٍ خفية، أمعنت النظر، فإذا هي في عالمٍ غير العالم، عالم يصنع من الموسيقى حلوى تذوب في الروح كما السكر، أما هو، فكانت هالة الضوء المتكونة فوق رأسه -لجزء من الثانية- بسبب فلاش الكاميرا من وراءه، تجعله يبدو كالملائكة، وهو يصدر نغماتٍ كتلك، إثر احتكاك عصاً بوَتر، ليثبت للجميع أن الأشياء البسيطة هي ما تصنع الجمال، لكننا نغفل، أو لا نكترث على كل حال. 

أكره أن أعترف أني أنا من أهبط بثقلي إلى الأسفل، فأفضل فكرة أن الأرض تُحب الإلتصاق بأقدامنا أكثر، لأن أقدامنا تبدو مضحكة أحياناً. 

أشبه أمي كثيراً، على الرغم من ذلك، صرت أقلق مؤخراً لأني أعرف أني حين أصير عجوزاً لن يمنح شعري الأبيض القصير نوراً لوجهي مثلما يفعل معها، كما أني لن أكون بمثل تلك الخفة، فعلى الرغم من أنها تكبرني بنصف قرن أو أكثر، لكن داخلي يشيخ بسرعة، وهي تعرف ذلك، تعرف ذلك ولا تمتلك إلا أن تدوايه بالقبل و التدليل، علّي أعود طفلةً تلهو عند قدميها، وتضحك. 

سأعطيك نصيحة، إذا وجدت فتاةً لا تتجمل، ولا تكذب، حتى في لونِ شفتيها، ولا تخضع بالقول كي يخضع لها قلبك، اقترب منها، وإن وجدت منها خيالاً يُعين على الحكي لساعات لأحفادك، وروحاً تعين على استكمال المسير، فدقق النظر في عينيها، فإن رأيت فيها حياتك بكاملها، فلا تتراجع حينها، أبداً.

يوماً ما سأصير دُباً أليفا، يأكل العسل نهاراً، ثم يكمل ما بقي له من الوقت في نوم مُريح، يقف على قدمين حين يصير مبتهجاً ويرقص، ويقف بنفس القدمين على وجه من يزعجه، يوماً ما سأصير دُباً وسأنظر إليكم جميعاً في شفقة، ثم أعطيكم ظهري وأمضي، بعيداً بعيداً.

مش هتسيبني لوحدي كتير صح؟.. هتحبني طيب؟ أوى أوى؟ طيب.



This title was intentionally left blank.

صديقي الأزرق الصغير، ألم تتلاشى بعد؟ أخبرني كيف كان نهارُك بعد تلك الليلة المضنية؟ ألا تزال ترفع عينيك إلى السماء و تصرخ بغضب؟ أعرف....