2014-04-20

مُرسلة إليك من أرض الملل




صديقي العزيز، فسدق باشا المقيم بحواري ذرات الهواء، جزئ الأكسجين رقم خمسة بعد المليون، هُناك..
أرسل إليكَ خطابي هذا عشان أحكيلك آخر الأخبار، التي تعرف نصفها مسبقاً.. 
أنا هنا، في مكانٍ ما على وجه الأرض يشبه غيره من الأماكن، الألوان القاتمة نفسها، والشعور المستقر بعدم الإنتماء، أعرف أنك ستخبرني أن الأماكن لا تتشابه أبداً، وحدها النفس تحمل العيون الزجاجية التي ترى التشابه ولا تقو على إدراك الإختلاف، لكني سأحاول إصلاح الأمر وأسوق إليك الخبر السعيد، بقيت بنام من غير كوابيس، وبنام كتير كمان، جدّي رحمه الله كان صالحاً يقرأ القرآن بانتظام ويصلّي الفجر يومياً، وحكت لي أمي كثيراً عن الملائكة، والأطياف الطيبة التي تحرس هذا المكان بالذات. هي بركة الحاج أحمد، كما يردد الجميع. 
المهم، أنا هنا، والجميع بقلوبهم الباردة هناك، منشغلين بأعمالهم التي لا تنتهي، أما الحب فهو يجد مساحةَ رحبة وقاعد ومربع في قلوب كل من حولي هنا، يظهر ذلك في نظراتهم، ابتساماتهم، وأطباق الطعام الممتلئة بكل ما هو شهيّ، وبسيط. 
إن شكوت لك الآن نسيانِهم لي ستوبخني، فلديّ ما يكفي من الإهتمام هنا، دون الحاجة إلى كل من يصرون على البقاء هناك. 
أتعرف؟ أحياناً يهمس باسمي، منادياً، فيختزل المسافات بيننا، ويهدم كل الأسوار التي أجاهد في بناءها كي لا يصل إليّ، في لحظة، فأشعر بالدفء، والتهديد في آنِ واحد. لماذا لا يتعلّم الجميعُ منه أبسط سُبل الوصال؟
ذلك الوصال الذي صار عصياً، وكلّت يداي من التشبث بأطراف الخيط الذي يترهل يوماً بعد الآخر، بيننا.
أراك الآن تضحك مني، تظن أنها فترة وهتعدي، سأعود إلى ما كنت عليه بعد عدةِ أيامٍ أنتهي فيها من النحيب ورثاء نفسي والسخط على العالم، وربما تكون على حق، لكنّ الصدأ الذي تتركه قطرات المطر على القلوب العاريةِ من الدفء يسمح لها بالتفتت، تدريجياً، وأشعر أني يوماً ما سأستيقظِ بنصف قلب، عاجز، من فرط التآكُل. 
على كلٍ لا تهتم، أخبرني كيف حال حبيبتك؟ ألا تزال تصنع لك دواءاً من عناقيد العنب والريحان؟
أخبرها بان أسطورة السعادة الأبدية لن تكتمل، ليس على هذه الأرض، فالأطفال صاروا غريبين في طفولتهم، الرجال صاروا يبحثون عن سبلٍ مريحةٍ لكسب الرزق، والزوجات صرن يقاومن نقص الحب والهرم.
خلقنا الله لنتدرّب على الفقد، منح أجسادنا قدرةً محدودةً على التحمل، وترك أرواحنا لتجاهد حتى تصل إلى منافذ النور، فتطمئن. 
أتعرف أني أحياناً أتساءل لم يسلبنا الله بعد العطاء؟ ويمنع عنا حين نطلب؟ ويتركنا لنتساءل عن السبب، يتركنا للتشتت، والتيه، ثم نستمر في ترديد أنه رحيم غفورٌ مجيب، دون إيمانٍ فعليّ برحمته، أو غفرانه؟
سأفجر رأسي عمّا قريب، وأرسل لكَ دعوةً لتشهد الإحتفال. 
اه صحيح، يزداد شحوبُ وجهه، وصارت عينُه إلى اللونِ الأصفر عوضاً عن الأخضر، لكنّه يزداد حناناً، وذلك يكفي، أما عنّ ذلك الطفل الصغير، فقد وقف حائراً حين رآه يتألم، أخذ يواسيه بلغته الطفولية قائلاً "علش" ثم انفجر باكياً، لأجله. 
بينما وقف الجميع يبكون الرحمة التي وضعها الخالق في فطرتهِ التي لم تتغير بعد. 
أتعرف أني أشكو إليهِ كثيراً؟ أخبره بأنهم ينصرفون عنّي وبقلبي وحدة، ثم أطلب منه باكية ألا يعلّق قلبي بأحدٍ سواه، أشعر أحياناً أن حائطاً صلباً يقف بين صوتي وبينه، وأذكر يوماً كانت الحمّى تحرق رأسي فدعوت، وسمعت صدى صوتي يتردد في سبع سماواتٍ عاليه، وأكاد أقسم أني سمعته ينادي.
أتظن أنه يسمعني؟ وبأن منعهُ لما اشتاقت نفسي إليهِ رحمة؟ فلربما كان العطاءُ بلاءا.
عزيزي فسدق، شكراً لأنك كنت هنا، ولأنك أنصت إلى حديثي المشتت، وكلّفت نفسك عناء الوصل بين معانيه، شكراً على كلِ حال لأنك تحمّلت كل ذلك الهري الذي كان يمكن اختصاره بجملة "أنا زعلانة على فكرة" التي لم أتمكن أبداً من إلقائها في وجه الجميع.
على كلٍ، إيمان بتسلّم عليك،

تصبح على خير بقى وكده.


 ضحى، 
مرسلة إليك من أرض الملل.


 

2014-04-07

خوف..



ظننتُ غروراً أننا قادرون على إيقافِ النزيف، وأن ما كُسر ذات مرّة يصيرُ عصياً على الوجع إلى الأبد. 
ظننتُ أني تخلّصت من كل ما في جعبتي من الحكايات، ومن البكاء، لكنّي اصطدمت بحائطي الزجاجيّ حين حاولت أخد خطوة واحدةٍ للأمام. 
عُدت، إلى نقطةِ بدايةٍ وسؤالٍ حائر، أأنت هُنا؟ أم هي نفسي تتوق إلى التعذيب والألم فتتمسّك بما بقى من آثارِ جرحك؟
أحقاً خذلتني؟ أم سهواً؟
أنبش بأظافري في ذاتي كي أجد إجابة، فإذا بي أنقض قبر الذكريات. 

لأن كل ما فات وما سيأتي، هو حلم سئ آخر، ليس لنا فيه سوى المشاهدة صامتين، ننظر إلى الفرح والبكاءِ معاً ولا نجفل، نعيش التفاصيل بكلّ ما نمتلك من الشعور، كمُخرجٍ ليس له دخلٌ في صناعة الأحداث، هو فقط يرى بمخيلته كلّ شئ بتلقائيةٍ وبتأثر، ينقلُ كل ما يراهُ إلى عيون الجميع دون أن ينطق كلمة، فيحيل المشاعر فوضى ويومض الأفكار في الأذهان، ثم لا يناله من التقدير شئ، ولا من المتعة إلا عناءَ الحكي الصامت.

صديقي الخائف، أتشعر أننا سننجو من تلك الظُلمةِ يوماً؟ 

لن أخبرك الحقيقةَ أبداً، لكني واثقة من أنك تعرف تماماً ما أتحدث عنه، الأدرينالين خاصّة، الإحتراق المستمرّ في قلبٍ يتكبّد عناء المحاولةِ، ولا يصل، الفِكر المنصرف عن كل شئ إلى شئ واحد، له قدسية غريبة تُجبرك على كُره كل ما لا يتصّل به، والوَلَه، بكل ما يمكن أن يمتلك -حتى بدون قصد- رائحته، والدعاء المستمرّ في جوف الليل لتنال من فرح الحياةِ نصيب، لتكتمل به، ولو مرّة واحدة.

كلّ ما يمكن أن يُقال، قد قيل. 
سأمر من هنا، كما مررت سابقاً، أنظر إلى فوضاي العبثية، كومةِ الإحباط المكدّسة، خليط الذكريات والصور، والفرح المُدلل الذي لم يكتمل. أعيد كل شئ إلى مكانِه، أردم قبر الذكريات كما كان، وأجتهد في إخفاء ابتسامةٍ منكسرة تلوح من حينٍ لآخر على وجهي، وربما أدعو أيضاً. 

ستمرّ من أمامي، كعادتك، ولن تلتفت، وسأتدرب كي لا أهتم. 

أكرهني كثيراً، بالمناسبة، تلك المثالية الحمقاء التي تسعى لجعل العالم مكاناً أفضل ليليق ببشريين مثقلين بالتعب والخوف مثلها، تكرههم بنفس القدر الذي تكره بهِ كل شئ تقريباً.

لا شئ يمكنه أن يفسّر ارتباكاتي الأخيرة، لا أحد يمكنه أن يتحمّل اضطرابي، لا أحد، وحدها أمي تستطيع أن تحتضنني وأنا أبكي بهستيريا، وحدها تحضر لي مِسْكاً وتنتبه حين أستقيظ فزعة من حلم سئ آخر، فتمرّر يدها على رأسي، وتقرأ، ثم تبتهل كثيراً كي لا يمسّني نصبٌ ولا جزع. 
حتى أمي يصيبها الملل، وتيأس مني، فتنظر إلى السماء وتسأل "لم عليّ أن أتحمّل كل ذلك الأذى؟"، لكن الله دائماً ينظر إلى قلبها العطر، فيجيبها صبراً، فتصبُر.

شئ في قلبي يحترق، فهل تشعُر؟ 





2014-03-29

الزرافات، ذوات الرموش الطويلة الكحيلة الحلوة.

كل ما هو آتٍ محضُ هري. وجب التنبيه!



"مسكين اللي شمسوا بتغيب، ياللي بيخاف هبوب الريح.."

آه، لو كان العالم كلّه يعمل بضغطةِ زر، سأصير ملكة، أُحمل رغماً عن الجميع على كُفوفِ الراحة، كنت سأوقف الضجيج حولي اليوم للحظة حين كنتُ على وشكِ البكاء، ثم استكملت سماعه والاستمتاع بالفوضى كما يفعل باقي القطيع، كنت قتلت من كان يشغل الكرسي بجانبي، قتلة شنيعة، بلا رحمة، ولتمكنت من غلق فمك تلقائياً حين يفقد الكلام معناه ولا يبقى سوى المعنى المستقر في العيون، ولتمكنت حتماً من استباق الوقت لأعرف إن كنت سأخرج سالمةً من كل ما يحدث لي أم لا، وبلا شك لأغلقت ذلك الراديو المزعج بجانبي دون الحاجة إلى الخروج من تحت البطانية العزيزة الدافئة. آه، لو كان العالم كلّه يعمل، بضغطة زِر. 

توقفت عن الكتابة للمساكين، لسبب لا أعرفه، هكذا أنا، أفعل شئ ما بحماسة في البداية، ثم أفقد الإهتمام، وأهمله، فيهملني، وأعود أشكو الفراغ ويلتف حولي الحزن غير المبرر، أتظنون أني على حافة الـ psychosis؟ صدقوني حين دار ذلك السؤال بعقلي رددت بصوتٍ عالٍ كأني أتحدث إلى شخص موجود بالغرفة قائلة "you're already psychotic my dear"
سأنقذ حياتك؟ هل تصدق ذلك حقاً؟ من منا بحاجةٍ إلى الإنقاذ يا عزيزي؟

التفاصيل الصغيرة، يدها البيضاء الممتلئة، أصابعها المنمقة، وخاتمها الضخم يزين سبابتها، تهتز يدها مع الإيقاع في تناغم، كأنها تعزف على آلةٍ خفية، أمعنت النظر، فإذا هي في عالمٍ غير العالم، عالم يصنع من الموسيقى حلوى تذوب في الروح كما السكر، أما هو، فكانت هالة الضوء المتكونة فوق رأسه -لجزء من الثانية- بسبب فلاش الكاميرا من وراءه، تجعله يبدو كالملائكة، وهو يصدر نغماتٍ كتلك، إثر احتكاك عصاً بوَتر، ليثبت للجميع أن الأشياء البسيطة هي ما تصنع الجمال، لكننا نغفل، أو لا نكترث على كل حال. 

أكره أن أعترف أني أنا من أهبط بثقلي إلى الأسفل، فأفضل فكرة أن الأرض تُحب الإلتصاق بأقدامنا أكثر، لأن أقدامنا تبدو مضحكة أحياناً. 

أشبه أمي كثيراً، على الرغم من ذلك، صرت أقلق مؤخراً لأني أعرف أني حين أصير عجوزاً لن يمنح شعري الأبيض القصير نوراً لوجهي مثلما يفعل معها، كما أني لن أكون بمثل تلك الخفة، فعلى الرغم من أنها تكبرني بنصف قرن أو أكثر، لكن داخلي يشيخ بسرعة، وهي تعرف ذلك، تعرف ذلك ولا تمتلك إلا أن تدوايه بالقبل و التدليل، علّي أعود طفلةً تلهو عند قدميها، وتضحك. 

سأعطيك نصيحة، إذا وجدت فتاةً لا تتجمل، ولا تكذب، حتى في لونِ شفتيها، ولا تخضع بالقول كي يخضع لها قلبك، اقترب منها، وإن وجدت منها خيالاً يُعين على الحكي لساعات لأحفادك، وروحاً تعين على استكمال المسير، فدقق النظر في عينيها، فإن رأيت فيها حياتك بكاملها، فلا تتراجع حينها، أبداً.

يوماً ما سأصير دُباً أليفا، يأكل العسل نهاراً، ثم يكمل ما بقي له من الوقت في نوم مُريح، يقف على قدمين حين يصير مبتهجاً ويرقص، ويقف بنفس القدمين على وجه من يزعجه، يوماً ما سأصير دُباً وسأنظر إليكم جميعاً في شفقة، ثم أعطيكم ظهري وأمضي، بعيداً بعيداً.

مش هتسيبني لوحدي كتير صح؟.. هتحبني طيب؟ أوى أوى؟ طيب.



2014-03-26

وابتهِل..



’ما في الوجودِ سواكَ ربٌ يُعبد‘

أتعرف، حين أبكي وأسألك "لماذا؟" في يأس، أكون قد تجاوزت حدود إيماني إلى منطقةٍ رماديةٍ من الألم والتيه، أقف باكية شاكية لا أعرف طريقاً لرحمتك سوى بالسؤال، سوى بالتذمر، تستمع إلى بكائي وترى بعينيك قلبي المتصدع جزعاً، يصلُك دعائي المتوسِّل، تشعر باهتزاز جسدي، تنتظر بحكمة حتى يزول كل شئ، ويختفي، تنتظر عودتي إلى رحاب عطفك راضية بقضاءك متيقنةً من حكمتك، تسمع صوتي مرّة أخرى، هادءاً، ثابتاً، يسألك غفراناً عن ذنب الجذع، وطلباً صغيراً بمنح القوة لمواجه القنوط، وفي محاولةٍ لريّ القلبِ بما يُعيد إليهِ الحياة، أسجد، وأقرأ، وأعود..
أتعرف، أحياناً أتساءل ما الخطأ؟ أين بالتحديد فقدت القدرة على تمييز الطريق إليك، متى توقفتُ عن الإمتنان للُطفِك، ثم أنتبه لصوتِ المُبتهل وهو يترنم "وكم للهِ من لُطفٍ خفيّ"..
حين اشتقتُ إليك، دعوتُك، وحين اشتقت إليّ ابتليتني، ومنذ ذلك الحين أسألك رِضاً لا يزول، ومرداً جميلاً -دائماً- إليك. 

قُدِّر لنا أن نمتلك أرواحاً بتلك الهشاشة، بذلك الثِقل، و قُدر لي أن أتعثَّر به، فيخذلني، رغم أني كنت أدعو له مع كل قطرةِ رحمةٍ للمطر. 
وقُدَّر لي أن أمتلك قلباً جباناً، يخشى الوجع رغم كثرةِ تعثره به. 

ظننتُ أن البكاء سيتوقف يوماً، سأكف عن التأوه، وسينتهي عهد أحلامي السيئة. 
ظننتُ أن الحياةَ رحبة، متسامحة، وأن الناسَ على قدرٍ كبيرٍ من الطُهر والعفة. 
ظننتُ أنه سينقذني، وإذا بي أصنع طوقَ نجاةٍ دون تدخلٍ من أحد.

أقابل وجهي في المرآةِ كل صباحٍ ولا أميزه، ولا أبتسم لي، هُناك ظُلمة خفية في الروحِ تتسرب إلى جلدي المصفر فتصيبه بالعَجَز، وحزنٌ مستقرٌ بالعين يُطل على الجميع بوقاحة، وإزعاج.

متى توقفتُ عن حب نفسي؟ لا أذكر. 

كنتُ ذات مرّة بشجاعةٍ كافية لتحدي المجهول، بثقةِ قلبٍ لم يمسه وجع، ولم يعرف كيف يكون فقدان الأمل، والآن تطلُب قطعاً من قلبي البائس، مرةً أخرى، فلا أعرف كيف سيطمئنُ بين يديك، تلك المُضغة التي لم تطمئن أبداً، بداخلي. 

لا أجرؤ على طلبِ العفو، عقلي لا يعمل بتلك البساطة.
الألمُ حتمي، هو الشئ الأكيد المطلق، أما السعادة فنسبية، غير مؤكدة، عليكَ أن تبحث عنها بدأب بين ركام اليأس والضجر.

ستنتظرني، كي أمنحك لحظاتٍ صادقةٍ من الحب والسعادة، وقد يطُول انتظارُك.
سأتعثر دائماً في طريقي إليك، سأبكي كثيراً أيضاً، قد لا ينعُم عليّ الله بالسكينةِ حتى ألقاه، لكني سأحاول، سأتدرب على رسم الإبتساماتِ المُلوّنة، أنت تعرف أني أجيد ذلك، وسأنظر دائماً في الأفق محاولةً الوصول إلى ظل وجودك، كي أراه، فأستكمل المسير دون ملل. 

قد أعيد قراءة تلك الكلمات بعد عام، أو أكثر، فأضحك على سذاجتي، أو أبكي فرحاً لأن الله أحب ابتساماتي وقرر منحك إياها، أخيراً.

على كُلٍ،
الله لم يخلقنا لنبكي، ونتألم، هو دائماً يقول أن أولياءه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وكثرة الحزن دليل قاطع على طول الطريقِ ومشقته، لكن الله لم يخلقنا للحزن،هو فقط يغار، على فرحةٍ غيرَ فرحةِ قُربه، فتذكر دائماً، الله جامع ذراتِ قلوبنا الصغيرة، إن أحسنتَ وصالك به، وصلك بما تُحب، وأرضاكَ به. 

فانعم بالوصالِ.. وابتهل.


2014-02-26

الخيبات الصغيرة.. الكتير

كل ما يأتي هو حكي، ميهمش حد. 
خد باب المدونة ف إيدك وانت ماشي.



صباح الخير، الساعة اربعة الا تلات دقايق بتوقيت أم الدنيا، الثامنة صباحاً بتوقيت الأوضة بتاعتي.

بيتنا الجديد في منطقة منعزلة من العالم، مفيش دوشة، مفيش أي حاجة حوالينا، غير صوت هدهد معدّي من وقت للتاني، أو صياح ديك عندنا فوق، الهدوء كما يجب أن يكون، كل الناس اللي عاوزين يسافروا كوكب تاني عشان الزحمة ممكن يعزلوا لحتة فاضية، وهتأدي نفس الغرض، والراحة النفسية، وأحياناً الإنبساط. 
الأوضة لونها برتقاني، وفي فراشات ملزوقة عالحيطة، مفيش براح أوي بس كل حاجة ف مكانها صح، وفي وسط هذا الهدوء المنمق، حاولت أعيط من شوية، ومعرفتش! 

البلكونة مقفولة، تماماً كقلبي.

انا دايماً بشتكي من الوحدة، ومكانش ناقصني غير إني أبقى منعزلة ذهنياً وجسدياً عن العالم عشان الدايرة تتقفل، والوحدة تزيد، مفيش تليفون، وسائل التواصل تكاد تكون منعدمة، الفراغ الإلكتروني المكتوب هو وسيلة التواصل الوحيدة الغير مرضية، الفيس مش بيخليني أحضن اللي وحشوني وحتى مفيش صوت عشان اسمع ضحكتهم، النزول من البيت بقى بمواعيد، السفر اللي جه غلط، والعزلة اللي بتزيد رغماً عني. 

في ناس نفسها ف العزلة دي أوي، في ناس بتعرف تتأقلم مع نفسها وتعيش من غير ما يبقى في خناقات ولا زعيق ولا عياط، من غير وجع، انا كنت عاوزة العزلة دي من بدري بس لما لقيتها جت قهراً تعبت.

---

أول يوم سفر. 

كانت المدينة بغبارها المعلق في الهواء تودّعني، تفك قيودها الخانقة على عقلي ببطء، تُظهر مخاوفي المطوية، فأتساءل عمّا سيحدث، لا رغبة لي في العودة إلى هذا المكان أبداً، أشعر ببداياتِ فقد وغصة في الحلق أعرفها، ألفتها لسنين، الحنين سيقتلني منذ اللحظة الأولى كالمعتاد، سأبكي رغبةً في العودة، وحين أعود سأتذمر مرةً أخرى من غبارها وضيق التنفس. 

 مرة اخرى، أخلع عني عباءة التمثيل وأعود إلى صفوف المشاهدين، تمر حياتي من أمامي دون أن أعي، أنظر إلى الشريط يتقدم والأحداث تتوالى، دون شعورٍ واحد يخصني، دون رغبة في الإدراك، دون محاولة للإشتراك في صنع الأحداث، ودون ملل.

نصل، المدينة الجديدة رغم كثرة آثارها إلا أن هوائها نظيف، أسمعني أخبر صديقتي بأن العيب فينا، سنظل نشكو من ضيق التنفس أبد الدهر طالما نحمل الرئة الفاسدة نفسها، نلقي باللوم على الغبار والهواء، ونغفل ما يكمل بداخلنا من عطب، لكن الفكرة تظل تدور في رأسي، الهواء هنا، نظيف.

أعود منهكة، لا أذكر ما حدث، كل ما أذكره هو أني في ظلام الغرفة أبحث عن أوراقي التي أكتب فيها، فلا أجدها، أضئ شاشة الهاتف وأكتب، أسجل كلمات متفرقة، أريد أن أقفز فوق درجات الوقت، ألقى نظرة واحدة على المستقبل، أستبق الأحداث وأكفي نفسي عناء الإنتظار والإحباطات المتتالية، وربما البكاء أيضاً، لكن الزمن لا يتوقف، يمر ببطء مخرجاً لي لسانه في سخرية، استهزاءاً بمنطقٍ لا يصلح للحياة.

الشمس حارقة، لا أضع أي واقٍ على وجهي، لا أكترث حقاً للسمرة التي سأكتسبها، رغم أني تذمرت كثيراً حين نظرت إلى وجهي في المرآة وغضبت، كان الغضب لأني أزداد قبحاً كل يوم، لا أكثر، أما الشمس فكانت ولا تزال نجمي المفضّل في هذا الكون.
أغمض عيني، لا أنام سوى للحظاتٍ قصار، وأستيقظ دائماً حينما تكون الأغنية في أذني قد انتهت، تماماً. الصمت وحده قادرٌ على إيقاظ ذهني الخامل، بلا عناء.

الهمس، الحكي في ساعة متأخرة من الليل، الفضفضة الحلوة، وضمّة حانية تترك أثراً بقلبك، ومحاولاتٍ فاشلة للبكاء والرقص.
والوصال.

اكتفيتُ من الضجيج، كانت الشمس مائلة للغروب حين بدأت المركب في التحرك، النيل يبدو كريما في تلك اللحظة بالذات، الشراع يحتضن الهواء ويسيران باسم الله، هناك صبي وفتاة، ببشرة سمراء ناعمة، وقامة منتصبة كوالدهما، يجلسانِ على ناصية المركب ويتضاحكان، هما يمتلكانٍ قدراً من السعادة والإطمئنان أكثر منا، ولأن بهم الكثير من اللطف ازددت حباً للمساكين أكثر، وأكثر.

أتعرف أكثر ما يزعجني؟ 
أني أزداد سوءاً كل يوم، لم تعد ترضيني المحاولات، لم تنجح أي منها على كل حال، يتزايد سخطي على العالم لأني أزداد سخطاً على نفسي، أتساءل متى توقفت عن الحياة فلا أجد إجابة مرضية، أغضب من أصدقائي، أشعر بالإهمال، ولا أحاول العتاب، اكتفيت من المحاولات أيضاً، لو ألقاني أحدهم إلى قاع هذا النيل لن أحرك ذراعاً واحداً كي أنجو، أمارس ذلك المنطق يومياً، فتزداد الفوضى ويزداد الضجيج ولا أقوى على المحاربة، فأغرق.

آخر يوم سفر. 

---


بصي، هو انا عارفة إني ممكن أكون بكبر المواضيع، بس هي حالة العجز اللي بتيجي من وقت للتاني دي، مش قادرة أطبطب، ومش قادرة أوصل عشان أطبطب أصلاً، روحي تقيلة ومش بتخف، مش قادرة أبقى الشخص المعطاء نفسه اللي انتوا متعودين عليه، مبقاش فيه حاجة جوايا أديها. 
عارفة إن منار هتقرا الكلام ده وتقولي غلط، بس انتي عارفة إني تعبانة بقالي كتير وبحاول، هرجع زي مانا لو حاجة واحدة اتصلحت، وحدث كوني بسيط خلاني أفرح من قلبي بجد، حدث واحد بس يارب، عمرة للروح، خالي يبقى كويس، أفرح بأي حاجة، بس تبقى الفرحة بجد. 
الناس، مش مضايقيني ف حاجة، بس بقى فيه خذلان منهم كتير، بحاول اتجاهله، وأكمل، بس غصب عني في ناس بدأت تقع من إيدي، ومش قادرة أوطي وأشيلهم تاني، البعد بيخليك تعرف مين عاوز يحافظ على وصاله بيك ومين لا، وساعات الخطوات اللي بتاخدها ناحية حد بتعرفك إذا كان باقي عليك أو لا، فمش دايماً تستنى من حد إنه يبدأ، البداية لو جت من عندك بتبقى أحسن، عشانك. 
انا عارفة ان ممكن يكون كل اللي بيحصل حواليا نتائج لحاجات كتير غلط عملتها، ومش من حقي أشتكي ولا أدبدب ف الأرض وأقول ليه بيحصلي كل ده، عارفة إن قانون الجاذبية هيفضل يشد ف روحنا لتحت، وقانون نيوتن هيفضل يقولنا لما ناخد على دماغنا إنه رد فعل مساو في المقدار للي عملناه. 
ربنا عاوزنا نوصلّه ف الآخرة بقلب سليم، وقلوبنا كلها معطوبة، واليأس مستوطن فيها. 

الأحداث الكونية بتحصل كلها برا، الأوضة مضلمة، والبلكونة مقفولة، العزلة مريحة، عندي إحساس قوي إني هموت بسبب الانتظار. 
وإلى أن ينصلح القلب والروح تخف، ووصال القرب بربنا يرجع، شكراً للي حاولوا يكونوا هنا، وشكراً للي محاولوش.

يارب، محاولة أخيرة متخيبش.. محاولة واحدة بس!

2014-02-12

وجدتُك.




عادت، أخيراً! بعد أن كتب درويش قصيدته، وانتهى من الإنتظار، بعد أن توقفت الأحلامُ عن البُكاءِ وغلبها النعاس.
عادت، لتعطيهُ سبباً آخر ليكره وجوده، حين يرى أملاً يقتله بإرادته، ويحمل فوق عاتقهِ ذنباً يكفر عنه كل ليلةٍ دموعاً ودعاءاً، هو الذي لم يثقله ذنبٌ قط. 
لم تحضر معها الفرح حينما عادت، هي فقط ذكرّته بكل الندوب التي تركها في قلوبِ غيرها، حين كانت ندبتها الأبديةُ في قلبه الصغير لا تزال تحترق.
لكن درويش كان قد بدأ في غزلِ قصيدةٍ جديدة، عندما عادت هي، متأخرة.

الخوف.
هو ما يبقيني متيقظة طوال الليل، أرقب الباب في حذر، بانتظار شئ سئ لا أعرفه.
هو نفسه ما يدفعني لإغماض عيني عن حلم جميل أمامي، حتى لا أصاب بنوبةِ أملٍ فأسارع في لمسه، فيتلاشى.
هو نفسه ما يدفعني للهرب من الجميع، ظناً مني أني أهرب منه هو.
الخوف نفسه، هو ما يميتني سراً كل يوم، بينما لا أزال أحاول جاهدةً أن تكون حياتي أكثر من مجرد محاولة بائسةٍ للتنفس.

أيمكنك أن تصون سراً؟ أنا خائفة، لكن الجديد هو أني أمتلك الآن بعض الأمل، وثقة كبيرة بالله.

لم أشعر بالتهديدِ قبلاً، لكنّه يحيطُ بي الآن من كل جانب، حين يصرّون على إخباري بأنك تُشبهني حد الخطر، على الرغم أني لا أمتلك ملامحك، لكنّ الضوء المتسلل من دواخلنا يبدو واحداً، قالت لي أمس أنك تسرقُ بعضاً من روحي، بعضَ الأُلفة المحببة أيضاً، أطلت النظر إلى قلبك الأخضر متسائلة عن مكان النور، ووجدتُه. 
ومنذُ ذلك الحين، أكرهُك.  

أتعرف كيف تصنع كعكاتٍ ملونة؟ يكفيك ضمةٌ واحدة من أمك، وكوب من الحليب الممزوج بدعواتها الصادقة، والكثير من الحب، ستصنع ما يكفي وأكثر لنشر البهجة على العالم لمدةٍ سنة كاملة، وستجد ما يكفي من الموسيقى بداخلك ليخرج من أوجاع قلبك زهوراً برية، أما عن الكُتب الدافئة، فستجد فيها شاعراً صنع من جدائِل شعر حبيبته حُريّة. تعلّم منه صناعة الحلوى. 

أما عن السكينة؛ فهي مناجاة، اختلاء بالحبيب، وهمسٌ يصل إلى عنان السماء. 
  
الآن..
صار الحُلم أكثر وضوحاً.. 
هو، بظلِه الثابت وابتسامتِهِ المنسية، وأنا ممسكة بذراعِهِ كطفلةٍ تخاف الضياع وسط الزحام.
هو، غارقٌ في اللحن، وأنا منصتةٌ إلى دقاتِ قلبِهِ، أضبُطُ الإيقاع.
أيُمكن للقدرِ أن يعطينا فرصة لنكمل الرقصة؟
.
.
.

 

2014-01-07

مدونتي العزيزة.. والسلام ختام




مدونتي العزيزة، صباح الخير..

صحيت النهاردة على وجع، فضلت كالعادة بعافر ف نفسي شوية تحت البطانية عشان أقوم، النهاردة كان في دافع مزعج وهو امتحان بكرا، لازم أقرا أي كلمة، خدت دوا مش عارفة أذا كنت باخده عشان أخف ولا عشان أتعب أكتر، مش من عادتي آخد حاجة معرفهاش، أول ما دخلت الأوضة اتعصبت وزعقت، بقى reflex باين، الأوضة دي كرب، بكرهها، والحمد لله إني هسيبها قريب، قولتلك اننا هنعزل؟ ده تقريباً الخبر الوحيد السعيد للي بيخليني أتفاءل شوية، وهم البداية الجديدة.

مدونتي العزيزة، 

ماما قالتلي آكل قبل ما انزل، هي مش عارفة اني نازلة لوحدي، لو عرفت مكانتش وافقت، ولو لقيت حد أنزل معاه مكنتش انا وافقت، ماما بتخاف عليا وبتقلق، ماما بتبقى موجودة كتير عشان ترقيني وتقولي معلش وهي بتطبطب عليا، ماما مبسوطة اننا هنمشي، بقت بتتعب بسرعة، وبدأت تزعل مني لما تشوفني تعبانة ومش عارفة أقولها على اللي فيا، ماما بتحاول، وبتقولي خليكي قوية، ماما مش عارفة انا طالعة بالضعف ده لمين، ولا جايبة قلة الحيلة دي منين، بس انا بحب امي، وهي عارفة.

مدونتي العزيزة،

زهقتك انا بالكلام عن ربنا، حسستك إن إيماني ثابت مبيتهزش، وإن كل حاجة وردي وزي الفل، انا آسفة، حقك عليا، لو كنتي شفتي الكلام اللي طالع مني من كام يوم فاتوا كنتي شتمتيني، انا نفسي اتصدمت، حتى الكلام اللي كنت بقوله مبقيتش بعرف أقوله، أنا دايماً حاسة بفجوة كبيرة وبُعد عن ربنا، بس كنت دايماً بقول ربنا قريب وهو عارف اللي فيها، بس فكرة زي الموت لما تزن ف دماغي أكتر من المعتاد وتبقى واقع، ولما مقدرش حتى أرفع إيدي للسما وأقول يارب ساعدني، ولما يسألوني إيه اللي ناقصك؟ إيه اللي مزعلك ف حياتك أوي كده عشان عايزة تسيبيها؟ ايه اللي انتي فيه ده؟ ومعرفش أرد، يبقى في مشكلة كبيرة. والخبطة ف جدار الإدراك الصلب ده بتوجع.

مدونتي العزيزة،

كنت بسيب نفسي أغرق، ومبقولش لحد يساعدني، مش قوة ولا عند، بس عشان أعلم نفسي معنى الوقوع عشان متوصلش هنا تاني، كانوا بيسيبوني نايمة، منعزلة، وبيحاولوا يضحكوني وانا ببخل عليهم بالضحكة، الوضع كان مزري، مكانش في أمل بجد، الإحباط كان بيشدني لتحت الأرض وكنت بسيب نفسي، وصلت لفين ف الآخر؟ وصلت لإني شفت حجم المشكلة اللي كنت بتجاهلها طول الوقت، بصي، انا عارفة ان فيا العبر كلها، وإن محدش هيساعدني غير نفسي، انا عاوزة أبقى كويسة وأحس بطعم أي حاجة تحصلي، لما بفضل أكرر وقفنا الشعور بوقف الشعور بجد، الكلام هنا ملخبط بس استحمليني، انتي اللي باجي عندك والكلام بيطلع من غير تزويق، طب بقولك ايه؟.. ما تدعيلي!

 مدونتي العزيزة،

هروح أذاكر، وهكتب كتير، هحل العقد اللي متسابة بقالها كتير، هتحاول أصلح علاقة مهترءة وأجيب حاجات ناقصاني، وهحاول مفتكرش الأيام اللي فاتت لما أدخل أوضتي تاني وألاقيها زي ما هي. هحاول أخد خطوة وأصلح حاجة مكسورة ف العالم يمكن حد ييجي يوم ويصلح حاجة مكسورة جوايا معرفتش إيدي توصلها. 
حبة تفاؤل لاجل خاطر النبي. 

يلا سلام. (:

This title was intentionally left blank.

صديقي الأزرق الصغير، ألم تتلاشى بعد؟ أخبرني كيف كان نهارُك بعد تلك الليلة المضنية؟ ألا تزال ترفع عينيك إلى السماء و تصرخ بغضب؟ أعرف....