2013-08-23

غُربة..


هكذا أراني بداخل ذلك المكان المضئ.. أدندن بلحنة ما بينما أصنع ضفيرة لطفلتي المشاغبة.. فتركض بها زهواً إليك لتلتقطها قبلاتك.. وتصنع ضحكاتها لهذا المكان رنيناً مميزاً حين تداعبها لُطفاً.. وحناناً.
هكذا أرى قلبي.. مضاءاً بمصباح وجودك العتيق.. يصنع ضوءه دفئاً حانياً.. بينما يظل العالم خارج حدود قلبي بارداً.. وقاسياً.
هكذا سيكون بيتي.. ممتلئ ببساطته.. لا ضجيجَ لأثاث منمق أوأسّرة وثيرة.. لا زخارف تؤرق جمال الجدران التي تمتلك مساحات كافية لتضمنا بدفء.. فقط مزهرية بلون السماء تطل منها زهور ربيعٍ صغيرة.. تقبل ضوء الصباح كل يوم من نافذة مجاورةٍ لسعادتنا.
ستكتفي قطتنا بالإسترخاء أمام الباب لتؤدي واجب السلام لكل العابرين بإيماءة ناعسة.. وسيستقبل صوت أقدامٍ صغيرةٍ مسرعةٍ لأطفال فضوليين كلّ الزائرين.. بينما سأكتفي أنا بإغراقك شغفاً.. وعشقا.

---

سأطلعك على سرٍ ما.. أنا خائفة.

أخاف من يبوحون بأعماق قلوبهم أكثرَ ممكن يختبئون في أقبية الصمت.. أخاف اختلاجة قلبه حين يحدثني عن أحلامه.. عن أطفال عائلته.. عن كل ما هو سخيف ومبتذل وواقعي.. أخاف اعتصارها ليدي في صمتٍ مريبٍ اقتطعناه من يومنا الصاخب.. أخاف أن أعبر بداخلهم حين أجبرهم على الحكي والبكاء معي.. أخاف أن أتركهم في غفلة مني مهملين تنزف جراحهم غير مكتملة الشفاء.. أخشى أن تلمس يداي جدرانهم الهشة فأحيلها دماراً.. أو أن أترك بصمةً عابثة في خزانةٍ سرية في القلب فتظل هناك إلى الأبد.

كم يرهقني العابرون.. من ينطلقون في قلبي دون إحترام لخصوصية الحزن.. من يشيعون بوجودهم أُلفةً ما.. ينقبون عن منافذ البهجة لتعود الحياة إلى التدفق من جديد..
 ثم ببساطة.. يرحلون.
كم تثقلني بقايا أرواحهم حين ألملمها لهم.. كم يرهقني الخذلان.
وكم أرتعد خوفاً أن أكون إحدى هؤلاء العابرون.. أترك ورائي بقايا لروحي ومزيداً من الجدران.

---

قالها ذات مرةٍ في فيلم ما.. "لن تكون الإجابة مهمة إذا سألت السؤال الصحيح" 
وأتذكرها كل مرةٍ أقف أمام غباء سائلٍ ما.. أحتار بين إلقاء وابلٍ من السخرية على غباء السؤال أو التزام الصمت كما كان يفعل بطلُ أحلام.. وأنتهي دائماً بالتذمر لأننا لا نمتلك مهارة صُنع الأسئلة.. تلك التي تضع علامةَ استفهامٍ بداخلك لا أمامك.. تلك التي توصلك إلى أماكن ما كنت تجرؤ على الدخول إليها.. تلك التي تشعر أمامها أن الإجابة لن تشكل فارقاً.. فقد كان السؤال كافياً لتدرك الحقيقة.. كلّ الحقيقة.. دون ثرثرة متزايدة.. دون رياء الكلمات.

---

وأخيراً..


أتتساءل أحياناً عني؟ أتغمض عينيك كلّ ليلة لترى وجهي في ظلام عقلك الشارد؟ أتبحث عني بين كتبك وأشعارك ولوحاتك؟ أتفتقدني حين تستمع إلى موسيقاك فتذوب عشقاً ووحدة؟ أتركض خلفي في زحام أفكارك؟ أتضل الطريق مثلي؟ أتعود منهكاً يائساً وقد نفد منك الصبر والأمل؟ أتشعر بكل تلك الغربة فتملأ الهواء بالعطرلأجلي؟ أحقاً تنتظرني؟ 
.
.
.

لا داعي للقلق إذن.. فيوماً ما سأعود إلى قلبي.. لأجدك. 

2013-08-12

الآن يمكنني أن أراك




انتظرتك كثيراً ولم تأتِ.. انفجرت أمس كالقنبلة النووية ولم تكن بجانبي لتلملم شظاياي وأركاني المتحطمة غضباً.. لماذا تقسو عليّ هكذا؟
الجميع يتحدثون في أذني فأبحث بداخلي عن لحظة صمت واهنة لأنجو من رماد العالم.. لكن الضجيج يظل يطارني.. حتى أمي طاردتني بالأسئلة عن أدويتي التي أهملها وصحتى التي أبعثر فيها كما لو أنها ليست ملكي.. ظللت مطاردة حتى مللت الهرب.. وانتحرت استسلاماً.
أتعرف ما المضحك في الأمر؟ أن تدرك أن عليك الرحيل.. عاجلاً أم آجلاً.. درءاً للوجع.

تعلو الموسيقى في أذني.. أغنية بلا كلمات.. إيقاع بلا ضجة ينساب رقيقاً إلى داخل روحك ليلمس مواضع الألم.. فتهدأ.
أكتشف عبثية الكلمات حين أنصت إلى لحنٍ ما.. الآن يمكنني أن أراك .. وأكاد أجزم أن أفواهنا تلك خلقت لصنع القُبَل.. لا للكلام.
كم تمنيت لو تعثر بك طريقي صدفة لتكتمل أمسيتي المضطربة.. فأقضي ليلتي أقاسمك حزناً وبكاءاً.. وموسيقى.

عدت.. أخيراً.
كانت الطاولة تشاركني انتظارك.. تقتل الوقت بمشاهدة فيلم ما.. وتثائب بين الحين والآخر.. 
بينما ظل التلفاز يعرض ذلك الفيلم بيأسٍ.. وضجر.
النافذة وحدها قبلتني بنسمة باردة.. كأمل.
واحتضنني سريري حين بُحت إليه بسر خيبتي الصغيرة.. 
وحدها الأشياء لا تبوح بأسرارك.. وحدها الأشياء تمتلك دفئاً كهذا في غيابك.

لا تأتِ.. ليس الآن..
لم تعد الروح صالحة لاستقبالك.. لازلت أرمم أركاني إثر انفجاري الأخير.. 
ولا داعي للقلق.. فقط سأمعن في افتقادك وأتذمر كثيراً.. سأشكو الوحدة وستطاردني أفكاري حتى الموت..
سأحارب جيوش الحزن بمنحتي الإلهية من الشيكولاتة والموسيقى.. فعلى عكس الجميع.. وحده ربي يعرف كيف يرسل إليّ سعادة كبيرة في لحظاتٍ كتلك.. بلا مقابل.

.
.
.
.

2013-08-09

السابع شمال.




مشهد واحد: 

الفطار قبل الأخير.. رمضان ولّى ولن يعود قبل أن تكمل الأرض 365 دورة أخرى حول نفسها كالعبيطة.. الوقت تنين شرس يجب صفعه بقوة كي يتعلم الأدب ويمشي واحدة واحدة.. النفس لم تتطهر كاملاً بعد.. حالة السلام الداخلي لم تشعر بها منذ فترة طويلة وانقضى رمضان قبل أن تستعيدها مرة أخرى.. توقفت الهمة مع يأس الرحيل.. وفقدان الأمل المؤقت في فرصة أخرى غير التي ضاعت بسبب الكسل ثم الكسل ثم الإمتحانات اللعينة.. 
يباغتك والدك بنظرة اهتمام وتقضيبة وجه مصطنعة.. يسأل عن أخبار الكلية.. ثم أخبار تلك الـ"أستغفر الله العظيم" النتيجة.. تباغته بذكاء وترد عليه بسرعة بأنها لم تظهر بعد لكن شخص ما أكيد جابهالك.. يحاول أن يداري ضحكته فلا يفلح.. يتظاهر بالإنشغال بالأكل ولا يرد.. تلح ف السؤال فيوقع قلبك ف الأرض.. وبنفس اللامبالاة.. لا يرد.

----

مشهد اتنين:

سحابة كثيفة من الأفكار اللامنطقية تعلو رأسك.. يتصاعد منها دخان محترق إثر سخونة غير مألوفة في الجو.. تتابع المشاهد من نافذة التاكسي أمامك في لامبالاة غير مألوفة.. تخرج من أذنك سحابة اخرى لفكرة قلقة لتنضم إلى السحابة الكثيفة التي تعلو رأسك.. تتمتم بدعاء ما.. تنظر من النافذة في أسى.. العالم ممتلئ بالبشاعة والقمامة.. والذباب.
تصل إلى مبنى الكلية.. المكان خالٍ من تلك الكائنات البشرية المألوفة.. مما يجعل الموقف غير مألوف بالمرة.. تشعر بضجيج في الأعلى فتدرك أن أفكارك بدأت في التصادم وما هي إلا ثوان قصار وستُمطر هذياناً.. وغباءا.
ثم..
إنها تلك الزغزغة بداخل قلبك.. سعادة تأتي من اللامكان.. تتبخر سحبك فجأة ويعلو رأسك رينبو ملوّن.. تسمع دقات قلبها المتسارعة وأنت تخبرها بالنتيجة.. يخرم صراخها السعيد طبلة ودنك فلا تهتم.. تتطاير الفايروركس من هاتفك وتغرق في بحر لا ينتهي من الكرم الإلهي.. يظل قلبك يردد الحمد لله.. وهو يعنيها بحق.
من كان يصدق أنك ستشعر بكل تلك السعادة لنجاح غيرك؟ دون أن تشعر بفرح لنجاحك أنت.

----

مشهد تلاتة:

امرأة تحمل طفلاً وتمسك يد الآخر.. امرأة أخرى تقبل طفليها وتدعو لها ربنا يخليهم.. تتأمل المشهد في صمت محاولاً ألا تطيل النظر كي لا تثير الريبة.. تتمنى لو تقبل أنت الآخر طفليها وتتمنى لها السعادة وتدعي ربنا يرزقك زيهم.. لكنك سرعان ما تطرد الفكرة اللامنطقية من رأسك.. فأي امرأة ستقبل أن يقبل غريب طفليها ويتمنى لها دوام السعادة؟ رغم أن القبل والدعاء أرقى الأفعال الإنسانية  إلا أنه المنطق لما بيستهبل.
سائق التاكسي لطيف تلك المرة.. يعطيك نص جنيه وهو يبتسم هامساً "عشان تبقى مرضي بس" .. رغم أنك لم تتذمر ولم تجادل في الأجرة.. تتركه يأخذ ما يريد لأنك تقدر أن مهمة توصيلك إلى أي مكان مهمة سامية.. فالهم العام يصيب حتى الطيور باليأس ويملؤهم بالهم فلا يشعرون بأي رغبة في تحريك أجنحتهم بحثاً عن لقمة العيش.. منذ أن صارت لقمة العيش تحت باند ميشين امبوسيبول والعمل في مثل تلك الأجواء السياسية المقززة يندرج تحت باند الأعمال البطولية.
أو ربما لأنك تعرف كل ذلك بإضافة أن الجميع يستغل الهم العام لحساب مصالحه الشخصية وعلى استعداد لأن يأخذ منك كل شئ حتى ملابسك لو أتيحت له الفرصة.

----

مشهد أربعة: 

السابع شمال.. تتذكر أنها أخبرتك أن الجرس معطل.. لكنك معانداً تضرب الجرس على أمل أنه يكون اتصلح بمعجزة أو بلمستك السحرية.. تصاب بخيبة أمل صغيرة حين تكتشف أنه معطل حقاً.. فتضحك من نفسك لأن منطقك الموقر از ريلي فاكد اب ذيس تايم.. تستخدم الطريقة التقليدية في الخبط على الباب قائلاً في سرك بصوت عالٍ ياهل الله ياللي هنا.. فلا يفتح أحد.
ينفتح الباب بعد الخبطة الثالثة.. تقابلك بابتسامتها العذبة.. وتتعانقان.
تخبرها بسعادة عن النتيجة.. تجد الريآكشن نفسه يتكرر.. تلك السعادة التي تملأ الجميع وتعجز أن تملأ نفسك الصامتة المريبة.. تدرك أنك خذلت نفسك للمرة الألف خمسومية وستاشر.. فردة فعلك على ج تساوت مع ل ثم أخيراً مع م.. لا شئ سوى ذلك البوكر فيس المُصمَت.
تقضي وقتاً طيباً معها.. تملأ أذنيها بدعواتك الصادق بالسعادة لأنها تستاهل كل خير.. تشاركها بعض القلق وتحاول ان تجيب على بعض التساؤلات.. تختلفان على أمور عبيطة وتتقنان فن الرخامة.. ثم تشتركان في النهاية في قراءة سورة هود.. وتوديع آخر إفطار في رمضان سوياً.. على صينية واحدة.. ومن طبق مخلل واحد..

 ----

مشهد خمسة:

متى سيتوقف الهراء عن الترجيع في فم العالم؟ 
أعيد قراءة ذاكرتي منذ عامٍ مضى.. أرى ابتساماتي تتلاشى تدريجياً.. وصراخي يعلو صمتي حتى أصاب بصدمة كتابية أتوقف فيها عن رثاء نفسي والعالم.. أجد بعض الأمل يتلاشى مع أول حدث كوني يلقيك صدفة في طريقي.. أضحك لأني لم أعد أشعر بكل تلك المأساة التي كتبت عنها ذات مرة.. تمنيت لو سمح لي الفضاء الإلكتروني بارسال ذبذبات أفكاري لتلمس أناملك فجأة فتكتب forgiveness.. فأعرف أنك لا زلت تسمع.. لكن ذلك الفضاء لن يفيد.. فبه الكثير من النفاق والسياسة والهراء على كل حال.
المزاج ليس بقدونس اوي لكنه مستقر.. وهذا ما يهم. 
الحياة توقفت حين نظر إليّ أبي للحظة وابتسم.. ربت على كتفي فانتقل كل ما يريد قوله بلمسه.. سعادته هي الإنجاز الوحيد في تلك السنة الزرقا.

----

مشهد سادس: 

أستلقي..
نافذتي لا تظهر السماء بشكل واضح.. لكن النجوم تمد أياديها لتصل إليّ.. 
النسمات الباردة هي كل ما أملك من حطام العالم وحطام نفسي.. عقلي لا يكف عن الدوار والتساؤل.. يبحث عن وجهٍ ما لم يعرفه بعد.. لكنه يحاول باستماتة أن يراه.
الخوف.. في محاولة ما لصنع هدنة مع الأمل يقتل الخذلان.. فلا يبقى سوى أمل حذر.
وهم الحب يختفي تحت وسادتي.. سأظل في غيبوبة المشاعر تلك حتى إشعار آخر. 
أوربما.. إنقاذ آخر.


.
.
.

2013-07-28

Goodnight Neverland..



Silent conversations..

Eyes move around, scared of the chasing curious eyes.. just looking for their place, their somewhere safe..
Eyes move gently.. looking for that gleam.. that one only gleam..
Eyes meet.. touch..
get lost in a perfectly long kiss..
Eyes tremble with light happiness.. passion sparkles inside.. a smile is hidden within..
Eyes try to move away.. say one last goodbye.. 
Eyes detach.. get lost in the crowd.. again..
Eyes try to look back.. they move around instead.. scared of the chasing curious eyes.. holding their happiness.. their safe gleam within..

---

then he looked at me and said: take me there.. to your safe place.. 
to Neverland..
and so I smiled and said: you don't have to travel too long.. it's in your heart..
you're my kingdom..
you're my Neverland.

---

and as you close your eyes tonight.. I wish a star would fall from heaven and kiss your sleepy eyes.. give you a colorful dream while I whisper.. Goodnight Neverland..

so Goodnight.

2013-07-26

تواصل..



ينزوي في أحد أركان غرفته المظلمة.. ينفث دخان سيجارته المشتعلة في الفراغ المتراكم فوق رأسه.. يختفي وراء نظارته التي تعكس صوراً وحروفاً مرسومة على شاشة صماء.. يقوم بأعماله المعتادة.. أو عمله الوحيد المعتاد على تلك الآلة.. "التواصل".

هكذا يخدع نفسه كل مرة يشعر فيها بالوحدة تحيط به.. حين يقضي وقته كلّه بصحبة نفسه التي ملّ منها.. ينظر إلى ذلك  الصندوق الإلكتروني الفارغ الذي يحتوى على عبارة "What's on your mind today".. فيفكر قليلاً.. يملأ رئته السوداء ببعض دخان سيجارته.. ينظر إلى إنعكاس عينيه المرهقة على شاشة الجهاز فيكتب.. " تحذير: القعدة مع نفسك تدمر الصحة وتسبب الوفاة".. يضغط على ذلك الزر الأزرق.. ذلك المفتاح السحري الذي سيوصل صوته الذي اعتاد فقط أن يسمعه في رأسه إلى العالم.. حتى ولو كان صوتاً فارغاً في فضاءٍ مكتوب.

تمضي لحظات قصار قبل أن يبدأ التفاعل على جملته تلك.. الكثير من ذلك الإبهام المرتفع إلى الأعلى.. أحدهم يقول بأسى "معاك حق والله" وآخرٌ يكتفي بالسخرية قائلاً "أمال القعدة مع أبوك تعمل إيه؟ :D" بينما تمر تلك الجملة أمام عين آخر فيقرأها دون اهتمام.. ويكتفي بمروره الصامت.

يمتلك أكثر من حساب على أكثر من موقع للتواصل الذي أسموه خطئاً أو سهواً ربما بالإجتماعي.. يسخر بمرارة من زيف كل الحمقى المتواجدون في كل منعطف إلكتروني.. يقرأ اقتباساتهم وأوقوالهم وآياتهم القرآنية التي يزينون بها حساباتهم.. يعجب من تلك الصورة التي يعشقون رسمها بكل دقة.. تلك التي تناقض الكثير من حقيقتهم.. يبتسم أحدهم في وجهك ويضمر لك ما لا تحب.. ثم يعود ليذكر نفسه هنا بأن من يتلونون بأكثر من وجه لهم مكان مخصص في الجحيم.. يكاد يشعر من فرط مثاليتهم الحمقاء بالغثيان.. ينفث سيجارته العصبية في الفراغ المتراكم فوق رأسه.. يبدد كل الحقد الذي يسكنه لكل أولئك الحمقى وكأنه يحرقهم واحداً تلو الآخر في جحيم من نوعه الخاص.. جحيم صنعه هو لنفسه.. له وحده.

يتعثر صدفةً في طيفها الإلكتروني.. يتأمل كثيراً صورتها الصغيرة تلك.. يتساءل لم تصر دائماً على قتل فراشاتها في النهاية.. ومالذي يعجبها في ذلك الداعية الذي تملأ باقتباساته جنبات طيفها الفارغ.. يتأملها كثيراً حتى أنه يغفو أحياناً أمامها.. لكنه يستيقظ دائماً ليجد ضوءها الأخضر قد تبدد في غفلة منه.. ينتظر لفترة أطول حتى تعود مرة أخرى فيلقي التحية.. أو أن يجد ذريعة ما ليسألها عن كتابٍ ذكرت ذات مرة أنه أعجبها.. يبتسم مرة واحدة فقط حين تدغدغ تلك الذبذبات اإلكترونية شاشته الصغيرة حاملة ردها.. ابتساماتها الدائرية الصفراء.. ومزاحها الهزلي الجاد.

ينزوي في أحد أركان غرفته المظلمة.. ينفث دخان سيجارته في الفراغ المتراكم فوق رأسه.. يختفي وراء نظارته التي تعكس حروفاً مرسومة على شاشة صماء.. يتساءل عن حياته ماذا يفعل بها.. يتمنى لو يسحق تلك الساعة المزعجة التي لا تكف عن الضجيج .. ذلك الضجيج الذي يصدره حركة عقربها البائس الذي يحمل إنذاراً من القادم وندماً على ما فات.. تدور أسئلته في فلك واحد لا يتغير.. ينظر إلى جحيمه الإلكتروني بارتباك.. يعرف أنه ليس تلك القشرة الصدئة ولا تلك الكلمات.. لا يعرف بالتحديد أهو أكثر من ذلك أم أنه ينحدر إلى ما هو أقل.. مجرد لاشئ.. لاشئ يحاول جاهداً أن يصير شيئاً في فراغ ليس موجوداً من الأساس.. يضحك من فلسفته التي لا تصيب بلعنتها أحداً سواه..
 يرى أحد الحمقى يكتب "ولازلت لا شئ في منظومة الخلق.." يتأفف.. ذلك الوغد فتح غطاء جمجمته وسرق أفكاره.. لكنه سرعان ما أدرك أن تلك هي الحقيقة.. نحن متشابهون حد الملل.. نحن في النهاية نملأ ثقوبنا بالطريقة نفسها.. بالتكرار المقيت نفسه يشعل سيجارته العصبية.. يضغط لايك لا تقل نفاقاً عن ابتسامته التي يرسمها على وجهه كل صباح.. يذهب إلى حسابه الخاص.. يغير صورته.. يقتبس بعض الكلمات وينظر إلى طيفها الإلكتروني لبرهة.. ثم يغلق كل شئ..
 يعم الظلام.. ولوهلة تبدو الوحدة مريحة إلى حد كبير..

يخلو عقله من كل شئ.. هو فقط صوتٌ مزعجٌ يردد أسئلته الوجودية نفسها.. يحاول أن يتذكرها كي يهدأ فتزداد الأسئلة.. فيكتفي حينها بأن يملأ الفراغ المتراكم فوق رأسه بدخانه وأسئلته المحترقة..


قد يبدو في لحظاته تلك هادئاً.. لكنه في كل مرة يستلقي على سريره في محاولة للنوم.. يتململ كثيراً قبل أن يغلبه الإرهاق فينام.. لأن نفسه -تلك التي تسكن جسده- لا يبدو أنها ستهدأ.. أبداً.

.
.
.
.

2013-07-21

من أين لي بأحلام سعيدة؟



أبحث بيأس عن قطتي.. كما أبحث بيأس عنك.. 
أضع مشغل الأغاني على أغنية بائسة لم أفهم كل كلماتها بعد.. الوقت ضيق لا يسمح بإضاعته ولذلك ربما أفرط في بعثرته.. أحاول أن أبدو بخير فيفضحني شعري الأشعث ووجهي الباهت.. والدتي مريضة لا تقوى على مغادرة الفراش ورغم ذلك تُصر على القدوم لترى ما بي.. صوتي يهتز.. أوبخها بأدب لأنها مريضة ومرضها يستدعي الراحة.. تضيع ابتسامتها وسط قلق وضوضاء وألم وتعود لتغفو على فراشها.. أخي يبذل ما في وسعه لكن وسعه لا يكفي.. أنا أحتاج أن أبذل ما في وسعي أنا.. عليهم أن يفهموا أن الأمر لا علاقة له بهم.. صديقتي تُحضر لي بهجة بأشياء عبيطة.. شيكولاتة وحلوى ولعبة لقرد نفشل في تركيبه معاً.. من يصدق أننا نصلح للطب أصلاً؟ أبي يصدق.

أبحث عن قطتي.. أدور في أرجاء المكان أناديها سراً.. لم لا تظهر الآن وتريحني من عناء البحث غير المجدي؟ سئمت تلك اللعبة السخيفة.. الوقت يمر برتابة سريعة.. يسرق مني ما بقى من أنفاسي.. اللعنة على رئتي التي تأبى التمدد.. اللعنة على أعضائي التي تعلن العصيان كل مرة.. ولا أقوى على ترويضها.. من أين يأتي أولئك الحمقى؟ علينا أن نوجه طاقة العلم في استكشاف أسرارهم لنصنع منهم مصلاً مضادة يحمينا من غباءهم المتزايد ووقاحتهم الفظة.. اللعنة.

أين ذهبت وِندى؟ لم أسميتها كذلك؟ لا أعرف.. حلم آخر سخيف من أحلامي.. لا أحد يمكن أن يستمع إلىّ وأنا أتحدث عن تلك الأوهام ولا تنتابة موجة سخرية عارمة.. الجميع يضحك وأنا أغرق بداخلي أكثر.. لم يصنعون تلك المسافات بيننا وبينهم؟ لم لا يمكنهم تقبل الإختلاف؟ الكثير يخبرني أنها سذاجة.. شخص واحد أخبرني أنها ذكاء تعامل.. والجميع حتى أنا نفقتر إلى الفهم.. جميعنا نرى العالم من ثقب عينينا الضيق.. العالم ليس مدينة فاضلة.. الفوضى تعم المكان وتحتل رأسي.. لم لا يأتي النوم مريحاً كعادته؟ لماذا يصر على عقابي بذنب لم أقترفه؟ ربما اقترفته في عقلي فقط.

هي رأسي إذن.. الدوار بداخلها والعطب يملؤها.. أين ذهبت تلك القطة اللعينة؟ لم تأت اليوم أيضاً لتنظر إليّ نظرتها المسفتهمة وتواصل اللعب مع فراشات الحائط.. لم تندثر تحت غطائي ولم تتمنَّ لي أحلاماً سعيدة.. الوقت.. الوقت.. الوقت.. أعجز عن حمل جسدي فأسقط بداخلي ويبتلعني هبوطٌ في ضغط الدم.. من أين لي بأحلام سعيدة؟ الشياطين تنام مبكراً ولذلك هي تسرق كل الأحلام السعيدة؟ أحقاً هذا؟ لا أعرف.

لن أغفو اليوم أيضاً فهناك حلمُ آخر بانتظاري.. لن أبكي اليوم أيضاً.. يكفي ما سكبت كل ذلك الوقت.. لن أسامحك أيتها القطة لأنك لم تكوني هنا حين احتجت إليك لتلمسي بأطرافك الصغيرة عينيّ المرهقة.. لم تباغتيني من اللامكان لتخرجي من داخلي كل تلك الضوضاء وتصنعي بخيالك الصغير كرة فرو برتقالية نركض ورائها سوياً.. الوقت يأكل الدقائق بشراهة مبالغ فيها.. وعقلي يعمل ببطء فيعجز عن مواكبته.. أخي يبدو سعيداً.. لدي شيكولاتة وحلوى.. قطتي لم أعثر عليها بعد ولا أظن أني سأفعل.. الأغنية تنتهي ولم أفهمها بعد.. ليكف الضجيج للحظة.. أريد أن أسمع صوتَ الصمت.. لا أمل.

.
.

 سُحقاً.


2013-07-19

على ما يُرام..



فتغني فيروز "وما حدا نطرني.. " فقط لتوجع قلبي أكثر..

هي حالة أخرى من حالات التتنيح المصاحبة للمذاكرة.. تلك التي تظل فيها أمام الكتاب فاغراً فاك كالأهطل محدقاً في اللاشي الذي لا يبدو على غير العادة مملاً.. على الأقل ليس أكثر مللاً من فعل المذاكرة المقيت..
تبدأ في السرحان غير المبرر وتبدأ تلك الأفكار المخصصة لمثل تلك الحالات في العبث داخل عقلك.. كأن تتذكر ذلك اليوم الذي تشاجرت فيه مع صديق لك لتعيد تجسيد الموقف وتحكم على صديقك بالغباء لأنه حتى الآن صديقاً لغبي مثلك.. أو أن تتذكر بدون مناسبة شعرها الأملس.. مع أنك لم تره أبداً.. وأحياناً لا يكون هناك فتاة من الأساس.. لكنك تحلم بشعر أملس وعينان لامعتين من باب تضييع الوقت لا أكثر..

تزهق فترمي الكتاب دون أن تنتبه إلى رقم الصفحة لأنك مذاكرتش حاجة أصلاً.. تُعد كوباية شاي أو نسكافية كمبرر مؤقت للمذاكرة.. -أو على الأصح- عشان تقوم من على الكتاب.. تتذكر فجأة أنك في رمضان وأن الفجر عدّي من بتاع 5 ساعات كده.. فتعدّل خطتك وتتوجه إلى البلكونة.. 


تغني فيروز "بكرة اذا ذكروا العشاق.. ضلوا تذكرونا.." فقط لتذكرني بخيبتي التقيلة..

الجو منعش.. ذلك الهواء البارد يلامس جبهتك ويقبلك بخفة.. لم تصل الشمس إلى مستواها الرأسي بعد لذلك يمكنك أن تستمتع ببعض دفئها الذي ترسله إليك كتحية صباح رائعة.. كوعد منها أن تمدك بكل الدفء الذي تريد إن حرصت على وصالها كل صباح.. تشعر أن العالم يمر بحالة من حالات السلام النفسي النادر.. فقط لأنك بعيد عن كل الضوضاء وكل عبثٍ غير مُجدٍ للبشر..
تغرق في اللحظة فتدندن مع فيروز وهي تشدو بصوتها الملائكي.. حضورها في رأسك يضفي على اللحظة مزيداً من الهدوء.. وعلى قلبك مزيداً من الوجع الخفي..
"لا بأس.. أنت بخير الآن.. اجترت المرحلة الصعبة ولم يبقى سوى بضع خطوات حتى النهاية.. هي مادة واحدة وتخلص.. هانت بس انت متكسلش.." صوت ضميرك يفسد عليك كلّ شئ كلّ مرة.. فترد بتذمر "سيبك مني يا حج الله يرضى عليك واسكت شوية".. يسمع الكلام فيلملم عتابه وحكمته.. ثم يصمت.


.... صوت موسيقى وعزف خفيف على عود شرقي يحكي قصة ما.. عن عاشق بيروت..

ضجيج رأسك كما هو لم يتغير منذ كنتَ طفلاً.. الأسئلة المُلحة ذاتها.. صوتك الذي يرتفع أحياناً ليجبر الآخرين على أن يستمعوا.. وبرغم ذلك لا أحد يستمع.. فيخفت صوتك وتصمت أسئلتك مع مرور الوقت وإن كانت لا تزال تزعجك بدورانها الممل في تلك العلبة العظمية الضيقة.. تأتي أسماء ووجوه وأماكن وأحداث وتنزل على أم رأسك زي القضا المستعجل.. تلعن المذاكرة في سرك لأنها السبب وراء كل ذلك.. فلو أنك كنت قاعد مرزي بتذاكر زي بقيت الخلق لما خرجت تلك الوحوش والأشباح من مكمنها لتفترس تحية الشمس الصباحية وتقلب مزاجك رأساً على عقب.. شيت يعني.
تحاول أن تستدعي قوى العقل والحكمة وكل فلسفتك المحنطة من ساعة مبطلت تفكير وبدأت مذاكرة.. تنظر إلى الجانب المشمس في الأمر.. أنت على خير ما يرام.. يو كيكد ذير آسيس تو هارد.. سيحترقون في قاع جحيمك الخاص لأنهم مش فارقين خلاص.. وأنت الآن رغم تدهورك الدراسي منذ عامين تمكنت أخيراً من اثبات أنك الأقوى في اللعبة.. حين وجدك ما هو أكثر أهمية من سباق سخيف يحدد الأفضل تبعاً لرقم لا يقل سخافة.. لأن الدنيا بقت أحسن من غيرهم.. ده أكبر انتصار.


.... صوت موسيقى وعزف خفيف.. إيقاع سريع يهدأ تدريجياً.. إيقاع هادئ يسرع تدريجياً.. يحدثك عن عيون ريتا المذهلة..

تعرف أنك ستخرج من مأساة ضجرك بالقراءة.. تتذكر روايات أحلام المختبئة في فولدر يحمل اسمها المميز.. تشعر للحظة أن الهارد وير بتاعك كنز كبير.. تزهو للحظة لا يراك العالم فيها فتزداد زهواً عشان دي فرصة مش هتتكرر تاني.. تختار فوضى الحواس وتبدأ في القراءة لتسمح لها ببعثرة حواسك على رصيف المشاعر.. توزع أحلامك في أزقة الحب وتعبث بذاكرتك كعادتها.. لتفعل بك ما شاءت.. دي أحلام يابني.
تتذكر وأنت تقرأ كتابات صديقتك*.. تلك التي صرت تشعر أن أحلام تشبهها لا العكس.. فتحاول أن تعرفها أكثر خلال معرفتك بأحلام.. أو أن تتعرف إلى أحلام من خلالها.. تتذكرها ذلك اليوم الأغبر حين كان وجهها صامتاً وابتسامتها غارقة في القلق.. تتذكر كم كنت تتمنى لو انتهى ذلك اليوم الأغبر على خير عشان ترجع تضحك وتثير في نفسك الأمل والتفاؤل كعادتها.. ثم تعود إلى تلك الدائرة مرة أخرى لتتساءل.. أتحبها لأنها تشبه أحلام؟ أم لأن أحلام تشبهها؟ 


.... صوت موسيقى.. آلة ممتلئة بالشجن لا تعرف اسمها.. تثير بداخلك حريق صغير يصنع خيوط دخان رفيعة.. مُلوّنة.. 

تُدرك أنك تُحب قلبك أكثر مما ينبغي.. تبالغ في الحفاظ عليه خوفاً من الخدش.. إكراماً لساكنٍ مجهول سيدخله ذات يوم.. تحاول أن تُبقى عليه نظيفاً مُرتباً بلا آثار ندبات أو بقايا حُطام.. تتندر حين تتذكر عجزك عن السماح لأحد بالدخول إليه فتردد وأنت تضحك "لا مؤاخذة.. أصل الباب محشور".. ثم تبدأ في سرد قصتك الحزينة حين قرر أحدهم الدخول ثم ما لبث أن عاود أدراجه بعد بضع خطوات بداخله.. كيف أنك رزعت الباب في وجهه بقوة حين استدار ليعتذر.. ومن ساعتها والباب محشور.. لأن بابك قديم الطراز.. من اللي بيزيق وهو بيتحرك ده.. ليس من تلك الأبواب السهلة التي تُفتح بمجرد رؤية أحدهم يقترب.. والتي أحياناً كثيرة يستغلها الحمقى باللعب أمامها كالأطفال.. حينما يكتشفون الخدعة.. وكيف أنها سريعة الفتح.. سريعة الغلق.. هبلة..
لذلك على الراغب في الدخول ألا يطرق الباب وينتظر.. عليه أن يدفع بقوة.. بإصرار وعزم.. وعلى الأرجح أن الباب لن ينفتح بمجرد دفعه بقوة.. وتلك الحكمة في كونه محشوراً.. فعليك أن تقابل قوة الدفع من الخارج بقوة شد من الداخل.. وانت بصراحة مكسل تشد.. مكسل تقابل رغبة أحدهم في إعطائك برغبة في الأخذ منه.. تسمح لفيروز باحتلال أذنيك طوال الوقت حتى لا تسمع.. كى لا تُطالب بالرد.


.... صوت موسيقى.. العود وحده يرقص على أوتار قلبك فيصنع منها لحناً لا يصلح للرقص.. يصلح فقط للعشق.

الحب كائن مغفل.. والحمقى من يستمعون إلى كلّ شئ دون إعمال عقولهم فيه.. الغباء إنك تذاكر لما تكون مش عاوز تذاكر.. والحُمق كل الحُمق أنك تذاكر أصلاً.. لكنه حُمق ضروري لا بد منه.. كذلك الذي يدفعك كل مرة إلى الابتسام في وجه شخص تمقته.. وذلك الذي يجبرك على أن تصير شخصاً بقشرة مزيفة لا تمت إلى داخلك بصلة just to fit in .. لكنها الحياة.. كما قال غسان -بتصرف- "اتزحلق اذا كنت عاوز تعيش."

الآن يمكنك أن تترك ضميرك ليوبخك وتتحالف معه لتردد أنت الآخر "قوم يا فالح.. اتنيل ذاكر!"



*صديقتي المميزة.. كليكاية هنا

This title was intentionally left blank.

صديقي الأزرق الصغير، ألم تتلاشى بعد؟ أخبرني كيف كان نهارُك بعد تلك الليلة المضنية؟ ألا تزال ترفع عينيك إلى السماء و تصرخ بغضب؟ أعرف....