2014-10-09

هذيان كل يوم جمعة الصبح.


إلى أين يمكنني أن أهرب في الثامنة صباحاً؟
كانت ليلة مزعجة، تشبه الكثير من الليالي التي مضت، كنت أتساءل لماذا نستمر في التنفس مادمنا سنرتكب المزيد من الأخطاء في الدقيقة القادمة؟ لم يرضى الله بأن يتركنا نعصيه؟ استُنفِذّت قواي تماماً، لم أعد أريد البقاء كي لا أرتكب المزيد من الذنوب، لم أفعل من الصالحات ما يكفي، لكن لا يهم، يكفي ما فعلت، لكنّي أعرف تماماً أني لست من الصالحين، لن يأخذني ربي إلى جوارِه الآن، وربما لا يزال العالم بحاجة إليّ، تقول أمي "ربنا خلقك عشان تعبديه" فأحاول، وأتعثر، ويبتلعني الظلام دائماً. 

أستيقظ فيتساقط من شعري الياسمين، جمعته أمي لي البارحة حين كنت أبكي ووضعته بجانب رأسي، رائحته هادئة ومطمئنة لكني لم أفهم أبداً لم تفعل ذلك، كنت أحلم، بك، وبهم، وبالجميع، حتّى من لم أرهم منذ أعوامٍ مضت رأيتهم، تحوّل عقلي فجأة إلى غرفة مزدحمة بالوجوهِ والأصوات، كنت أسير وحيدة في طريقٍ مظلم، ممتلئ بالناس، وكنت أرتجف من الخوف، حتى عدت أدراجي إلى حيث قابلت وجوهاً مألوفة رغم أنها تكرهني، واختفى الظلام فجأة، حادث سيارة مروّع، وطريق إلى البيت لم أعد أذكره، وقفت تائهة أتحدث إلى الجميع، وأحرص على أن ألقي السلام، وأتجنب نظراتهم الحادة وحديثهم الجانبي المريب، وأستيقظ دائماً برغبةٍ في الهرب، لكن، إلى أين يمكنني أن أهرب يوم جمعة؟

كان عليّ أن أبقى هناك، ف بيت خالي، لا راحة أجدها هنا، لا ونس، حتى الطعام لم يعد شهياً كما كان هناك، إيمان أخبرتني حين غادرت أنها رأت خالي يوبخها لأنها تركتني أذهب، "خلاص هروح أنا معاها" أنهى حديثه وذهب معي فعلاً، تراه إيمان كثيراً يطمئنني ويربت على كتفي في حنان، هو يعرف أكثر من غيره، ورغم أني لا أجيد الحزن على الموتي، لكنّي أقف أحياناً وسط دارهم وأتذكر، أفتقده كثيراً، ولا أقوى على البكاء. أنا التي تبكي على كلّ شئ آخر.

أعرف كيف أذيب الوجع في القراءة، وكيف أرى دائماً علاماتِ طريقي واضحة،  وأذكّر نفسي بضرورة مواصلةِ القتال، الله يغار على قلوب عباده، تحكي أمي كثيراً عن ابتلاء أيوب ويونس ويوسف، وتحب يعقوب خاصةً لأنه كان يصبر على فراق ولده، ويقول "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله" فتهمس بحنان "قولي يارب وصلّي ع النبي مية مرة"، الله لطيفٌ بعباده، ولأننا نجهل ونتعجّل ونعبد الله على حرف، نغضب دائماً، ولا نرضى، ولو علمنا، وصبرنا، وعبدناه حقّ عبادته لرضينا بما كتبه الله لنا، فارضي يا ضحى، ارضي والنبي. 



2014-10-06

تمرين كتابي - 6

هل تذكرين أول مرّة اعترفتِ فيها بكرهك للإنتظار؟ أظن أنها كانت قصيدة لدرويش تحكي عن انتظاره لها، لم تأتِ، قُلتُ ولن، شئ من هذا القبيل، لكنّك تجاوزتِ الأمر بسرعة، أم يجب علينا أن نقول "اعتدته"؟
لم لا تتوقفين عن التذمر؟ سيغلق باب المصعد الآن وما هي إلا لحظاتٍ قصار وسيتحرك ويصل وينتهي الأمر. ونبدأين رحلةَ انتظارٍ جديدة. 
آهٍ، كم كان يكره أن أخاطب نفسي بتلك الطريقة، أن أنفصل عنها وكأننا لا نسكن جسداً واحداً ونُعذّب بالأفكارِ ذاتها، لم أتذكره الآن؟ مرّ وقتٌ طويل منذ أن شعرت بشئ داخلي يحترق، إذ يمضي الوقت فنفترق، ونمُد الأيدي.. اللعنة! عليّ أن أتوقف عن قراءة الشعر قليلاً، وإلا جُننت. 
مهلاً، أحقاً ما أراه؟ هو.. يقف أمامي.. الآن!
لا مكان أهرُب إليه، لو حاولت الخروج لأطبق باب المصعد عليّ بلا رحمة، وإن نجوتُ منه فسأصطدم حتماً به، ماذا أفعل الآن؟ أين أختبئ من عينيه؟ إلى أين ألجأ هرباً من.. من نفسي!
لا أصدقه، دخل وكأنني لستُ هنا، يقف بجانبي دون أن يجفل، دون أن يتهاوى، لا أصدقه، يتركني الآن لأتهاوى وحدي، ليتساقط المطر بداخلي، ساخناً، يغلق بقسوةٍ مظلّته ويجري وحده دون أن يكترث. 
أتراه يفكّر فيّ الآن؟ يفتقدني ربما؟ لا.. لا أظن، صرتُ له كالساحرة الشريرة التي تضحك بنصف فم، بشعرٍ أشعث وقلب متآكل، خذلتُه، ورَحلتُ دون أن أترك له بعض الحلوى، سرقت ضي روحِه دون سبب، امتطيت مقشتي البالية، وطرت. 
تكرهين الإنتظار؟ ها أنتِ ذا تنتظرين حيث لم تتوقعي أبداً، بجانبه، تقفين لأول مرّة بموازاته، دون أن تحضن كفّه أناملك المرتجفة. 
ستصلين إلى وجهتك، وسيخرج، دون أن يلتفت، وستبكين كما لم تفعلي أبداً لأن دفاعاتِ روحك -تلك التي تختبئين خلفها- لم تُجدِ أبداً معه، أحالها رماداً بنظرةٍ واحدةٍ، وأحالَك فوضى، وترك قلبك لانحناءه الدائم، يبحث -بيأسٍ- عمّا فقد.
انفتح باب المصعد أخيراً، تنفسي! سيخرج أخيراً تاركاً كل هذا الحزن والأكسجين لكِ وحدك، لم لا يتحرك الآن؟ أيدرك ما يجول بخاطرى فيقف إمعاناً في إذلالي؟ أحقاً كنتُ بتلك القسوة؟ أحقاً تؤلمه جراحهُ بتلك الشدّة؟
"أنا.. .. .. بكرهك"
صوتُه مُنكسِر، ودافئ. يكرَهُني أنا، ذلك الظل المبتعد عنّي في ثباتٍ يكرهني أنا، أنا الواقفة هنا يتعلّق قلبي بأطرافِ ثوبه متوسلاً، مبتعداً بثباتٍ معه، يكرهُني هنا، حيث لا يرى عينيّ وأختبئ في كتفهِ الأيمن، يُحبّني هُناك، حيث يشعر بأنفاسي تداعب وجهه، ويختبئ العالم في ثقب عيني اليسرى، أكرهُني هنا، حيث لا أركُض خلفه، وتنغلق الأبوابُ كلّها في وجهي، وأسقط -رُغماً عني- إلى الأسفل. 


2014-10-03

ولا نافع بوح..





كنت بضحك ومبسوطة، مبتهجة لأول مرة من فترة طويلة، العالم كله صغر وبقى قد كورة صغيرة ف إيدي بحدفها بعيد كل شوية وبترجعلي، وكان موجود، في مكان قريّب، مش عارفة شافني ولا لأ، بيسمع زيي نفس المزيكا وبيحس بحركة الناس حواليه، عارفة إن كانت الإبتسامة الأبدية محفورة على وشه رغم إني مكنتش شايفاه، وعارفة إن كل الدوشة والصخب ده كان بييجي لحد عنده ويتحوّل لموج هادي بيرسى على شط روحه براحة، ويتسحّب تاني لورا زي ما جه، من غير ما يسيب أثر يُذكر.

قالولي إني كئيبة ومتبتة في اللي فات ومش عايزة أسيبه، قالولي إني حساسة وبتعب من أقل حاجة وكلام كتير كده، حاولت أتغير ومعرفتش، التغيير ده حاجة سخيفة، أنا من فئة الناس اللي بتفضل تبص ع الدنيا من ورا شباك إزاز، في تأملات واستنتاجات عاوزين قانون واحد ثابت يمشي على كل الحاجات، مفيهوش استثناءات، أنا بسمع نفس المزيكا وبختار نفس الأكل كل مرة لما نخرج، بشرب المعتاد لدرجة إن عمو بتاع الكاشيير بيقولي غيري، بمشي في نفس الطرق اللي مشيت فيها سنين كتير من غير ماحس إني عاوزة أحود وأمشي ف طريق جديد، التغيير مُرهق، بيتعب أمثالي وبياكل دايماً منهم حتة، ممكن معرفش ناس جديدة غير لما الموقف يجبرني أتعامل، مقربش من حد غير لما ياخد خطوة واتنين ناحيتي الأول، عشان بخاف، بخاف أمسك كشاف النور وأدور على حتة جديدة أفرشهالهم يقعدوا فيها، وأجيبلهم فاكهة وعنب وأعرفهم ع المكان عشان ميحسوش بغربة، وأسكنهم بحب وبعدين يمشوا ويسيبوا المكان مبهدل، من غير ما يشيلوا القشر والزبالة اللي رموها وراهم، بخاف لما يمشوا أكتشف ضعفي، أو لما أرفض أسكّن حد جديد أكتشف شرّ تاني مستخبّي وأكره نفسي، وعارفة إني مش عارفة أعيش ولا هاخد ف حياتي خطوة لقدام.

 حاولت أطلع ع السلم بشويش، وأوصل لشوية المية اللي بيروحوا وييجوا مع أي شوية هوا، وأبقى زي الموجة تجري تجري وتنزل على مفيش، وميفرقش معاها، مهي هترجع تجري تاني، ويبقى كفاية عليها شوية الضحك اللي قضتهم ويا الهوا، وشوية المتعة اللي ف كده، حاولت مخليش حاجة تفرق معايا قد كده، أوسع من علاقاتي مع الناس عشان كل شخص ياخد حتة من برا وجزء من وقتي فأتوه ف الزحمة ومتشدش لتحت، حاولت أعيش ف الوسط اللي كل الناس فيه بتتكلم كتير، وبتبان محبوبة واجتماعية وسعيدة، بس ف الآخر كنت باجي ف لحظة وأتعب من الهوا، وأبطل أجري معاه، وتقلي يشدني لتحت تاني، وأغرق. 

حاولت أتأقلم مع الوضع القائم، أفضل تحت من غير هوا يحركني، ف الضلمة، مع شوية السمك اللي بينور واللي عارفاهم، أستخبى ف أي وقت عشان القاع كبير وغويط ومحدش بيشوف حد فيه، عارفة اتجاهات معينة بمشي فيها كل مرة، اتجاهات مفيهاش حاجة جديدة تفاجئني وتخليني آخد قرار حالاً أو أطلع لفوق، مفيش أكسجين وبتنفس بفقاعة لفاها حوالين دماغي بطلع أملاها كل فين وفين من فوق، وشوية شوية بدأت آخد ع المية وقربت تتطلعلي خياشيم بس لسة معنديش زعانف، بقيت بخوّف، ولو حد شافتني من زمان بيتبرجل ويقولي ايه ده، كنتي فين، طب ما تيجي معانا فوق، وأنا برده بقول لا، أنا مبسوطة كده.

أصلاً أنا مش مبسوطة، مكنتش مبسوطة فوق ولا مرتاحة، ومش مبسوطة تحت، بس مرتاحة شوية عشان كل حاجة مألوفة، حتى الشياطين والكوابيس والكائنات المجهولة اللي بتطلع فجأة وكل البيبان المقفولة عارفة إيه وراها، مبقوش بيخضّوني ولا بقيت بصحى أعيط وأشتكي منهم، هما موجودين حواليا وبسلّم عليهم الصبح كل يوم وقبل ما أنام بقولهم تصبحوا على خير، مش مستعدة، عارفة إني مش تحت أوي ولسة فيه ضلمة أكتر، وعارفة إن فوق في نور بس أنا عضمي خفيف مبيستحملش الهوا، ومبعرفش أفضل طالعة نازلة كل شوية زي بقيت الخلق، مش هعرف، يا فوق يا تحت، يا هنا يا هناك، وعارفة إني لو قررت أبقى ف النص، لا فوق أوي ولا تحت أوي هيبقى أحسن حاجة وكل البلا بلا بلا بس الحتة الزرقا اللي ف النص دي، اللي لا منها انبسطت ولا منها ارتحت مش عارفة أحددلها ملامح. ومؤذية بزيادة عشان هبقى جنب الضلمة وجنب النور، جنب الهوا وجنب الكوابيس، وأنا لو كنت بعرف أختار ما بين اسموزي توت والشاي بالفراولة مكانش هتبقى حاجة من دي صعبة عليا، ومكانش هيبقى ده حالي. 

احنا كنا فين؟ آه، كان هناك، وكنت مبسوطة، وخفت يشوفني وأنا بضحك ويقول مش هاممها، ومش بتفكر، غمضت عنيا للحظة وحسيت ربنا بيعوّض وبيدي كل واحد على قد ما بيحتاج، أنا احتجت عزلة واداهالي، وهو احتاج حاجة تشغله وادهاله، ربنا رب قلوب وهو لوحده اللي بيداوي، فتحت عنيا وكان مشي، وفضلت أسقف وأنا خايفة أول ما أخطي عتبة الباب أنسى أنا كنت بعوم أزاي وأغرق من أول وجديد.


2014-10-01

تمرين كتابي - 5

كان القدر سخياً أكثر من اللازم تلك المرة، فبعد أن قضى أكثر وقتهِ في تجنّب عينيها، وجد نفسه أمامها، وكان عليه أن يقفز بداخل المصعد قبل أن يغلق بابه الحديدي في وجهه دون أن يروي قلبه المتعطّش إليها، شوقاً.
كانت تقف بجانبه، بعيدةٌ كلّ البعد عن قلبه، أقرب ما يكون من جسده المرتبك، ظلّ محدقاً في الفراغ، في اللاشئ، في لحظة بحجم ثقبٍ في عينها اليسرى اعتاد أن يرى من خلاله العالم.
وقف صامتاً، يخذله فمه كلّ مرة، ويعض شفتيه في تبرّم. 
كان عليه أن يخبرها أنه يفتقدها، بتلك البساطة، يهمس بصوتٍ خفيض ويقول "وحشتيني" كما كان يفعل، قد لا ترد، وقد لا تسمع، وقد لا تكونُ هي هنا من الأساس بل عقله يداعبه مداعبةَ سخيفة، لا يهم، سيحاول أن ينظر بطرف عينيه كي يتأكد أنها هي، لكنّ تصلب رقبته الفجائيّ جعله يعدل عن خطتّه، أغمض عينيه وحاول أن يضبط أنفاسه المتسارعة، يعرف أنه قد فقد السيطرة على قلبه منذ أن أوقعه في شراكها أول مرة فلم يحاول تهدئته، سيخرج من علبة الجحيم تلك وسينسى، سيتلحف بصمته وسيغني لغضبه أغنية رقيقة حتى ينام، أو يدفنه رغماً عنه في ثقب ما بعقله، ثقب صغير يشبه ثقب عينها اليسرى الذي اعتاد أن يرى انعكاسه الضاحك فيه.
لم يمتلك ما يكفي من الوقت أبداً ليسألها عن السبب، أو لا يسألها أبداً بل يتركها تتحدث وفقط، سيستمع إلى كلّ كلمة ويبتسم، دون أن يعي ما يفعل، فقط سيشعر بذلك الخدر اللذيذ يسري في أوصاله، وبذلك الشفق الأحمر بداخله يتوهّج، وينتشر.
كانت عينه معلّقة على الأرقام تشير إلى اقتراب وجهته، مالذي يمكنه أن يفعله الآن؟ هي بجانبه، ولن يمكنه أبداً أن يختطفها من أعين الناس ومن يد الزمن المتحرّك بإصرارٍ إلى الأمام، هي بجانبه، لا تسمع لصدام أفكارهِ صوتاً، ولا يمكنه أن يلمس يدها خلسة، لن يفيد أبداً ولن يصدقه أحد حين يخبرهم أنه الحنين، والوجع الذي يجبره على البحث بيأسٍ عمّا فَفَد.
وصل المصعد أخيراً، فتح بابه ليلفظه وأفكاره خارجاً، لكنه لم يتحرك، أوشك على أن يقول شيئاً، فتح فمه أخيراً.. قائلاً بجزع:
"أنا.. .. .. بكرهك"
وخَرَج.

2014-09-29

شبّاك إزاز..




وجهي، يشبهُ قطعة ثلجٍ على وشك الذوبان، يمتلئ ببثور تشبه تصوّري عن بعض الأشخاص على وجه الأرض، أتذكر وجهه الحيادي فتنتفخ أجفاني ببكاءٍ مكتوم، أستسلم لحقيقة الأمر وأتجنب مواجهته كلّ يومٍ في المرآة، أغسل وجهي مراراً بمياهٍ ساخنة علّه يذوب، ويختفي. 

أقرأ لإيمان مرسال، فتنتابني رغبة ملحة لكتابةِ قصيدةٍ عنك، عن رأسي الممتلئة بأشباحك تبتسم إليّ -دائماً- بازدراء، ثم أقرأ لدرويش فأتذكر حزناً خبأته بحرصٍ تحت جلدي، فأفترش أرضاً تمتلئ بصورٍ مختلفة عني، لم تعد تشبهني بعد الآن.

يوماً ما سأحكي عنك، لحيتك التي تشبه ذكرياتٍ متمردةٍ على قوانين الإزالة، تستعصي على الشفراتِ الحادة، عينك المختبئة بحرص، تحت واجهةٍ زجاجيةٍ للقسوة، وابتسامتك التي لا تصلح لصناعةِ قوس قزح، بل تشبه مطراً صيفياً يباغتني وسط الصخب والجفاف، دائماً. 

كان يمكنني أن أصيرَ قدّيسة بسهولةٍ بالغة، أوزّع أزهاراً بيضاء على المحرومين، وأصنع كعكاتِ حب دافئة لا تصلح سوى لشفتيك، لكنّي توقفت عن الإدعاء، خلعت عنّي ردائي الطويل، وارتديت ثوباً ضيقاً، يشي ببياضِ جسدٍ اعتاد الإختباء وادعاء الخجل، دون أن يستحي فعلاً، وقفت أمامك، غاضبة، باكية، وشهيّة.

كان يمكنني أن أخبرك ببساطة أن قلبي ممتلئ بالكنوز التي تحتاج لأناملك السرية كي تكتشفها كلّها، ولذلك ربما لا أسمح لأحد باللإقترابِ مني، لكني تركت نافذتهُ على مصراعيها -عمداً- كي تختلس النظر، وتكتشف بنفسك فقري المخبأ بعنايةٍ وسط أكوام من الندم.

كان يمكنني أن أحبك كما تقول أميمة -أكثر-، وكما تغنّي فيروز بعشق، لكني ظللت أردد "أنانية، وحقيرة" واختبأت وحيدة أعض على أناملي، وأبتلع دموعي مراراً، وأرى ثقباً شديد الظلمة آخذ في الإتساع..
لكنّي تركتُك كعادتي، وحيداً.

كنت أريد أن أكتب الشعر حتى أعدل عن استخدام ضميرٍ للغائب، يشير بإصرارٍ إليه، كنت أريد أن أضبطه ملتبساً، يرى الأسهم تشير إلى الإتجاهاتِ كلّها، فأضحك لأني أكتشفت غباءَه ببراعة، لكني ظللت أكتب على سطرٍ واحد، وأكرر الحروف فتسقط المعاني بين يديّ الجميع واضحة، وقحة، ومباغتة. 
وظلّ هو -كعادته- يتعثّر ولا يعرف أين يمكنه أن يقتلني ببطء، دون أن أكشفه. 

لم أكن أدرك -حين امتلأت عينها بالدموعِ فجأة- أن البكاء يمكنّه يؤذيني بتلك القسوة، كنت أردد باستياء أني قبيحة، حين كانت تحكي عمّا بها دون أن أمتلك الشجاعة الكافية لأن أقطع حديثها وأسألها كيف يمكننا أن نمتلك أرواحاً بذلك الثقل، وقلوباً كقلوبنا، منكسرة دائماً، لكن الحائط كان صلباً، وبارداً، وبدا كأنه أنسب مكانٍ يمكنني أن أترك رأسي فيه دون قلق. دون أن يؤرقني التساؤل ثانية.

وصلتُ إلى هنا، هنا حيث البدايات تبدو ساذجة وسخيفة، محمّلة بنتاجِ عامٍ ونصف من الدوران الذاتي والدُوار، وصلتُ أخيراً، حيث أدرك أني لم أكن يوماً مقاتلة، ولا أصلح سوى للكلام، ولذلك ربما أعود دائماً إلى ذلك الثقب الأسود، هنا، هنا نفسها، هنا الأبدية. 




2014-09-22

وخبيني ما تخبيني..


عزيزي فسدق. 
تحية طيبة وبعد.. 
فاكر كاثلين كيلي وهي بتقول إنها بتـ get lost in words في كتاب ما وعشان كده قرته متين مرة أو أكتر؟ أنا بجيت لوست زيها، بس مش ف الكلام بس، ف الناس، والتفاصيل، والونس. 
ماما، لما قالتلي حقك عليا وأنا بحكيلها عن وجع مستخبي جوايا بقاله كتير، و طبطبة إيدها، دينا وهي بتصوّر، والنور اللي بيبقى طالع من عنيها لما الصورة تطلع حلوة، دينا بتصوّر بقلبها، وغادة بتغنّي ساعات، والصوت مش بيبقى طالع من أحبالها الصوتية على فكرة، هو طالع من نقطة صغيرة محدش بيشوفها غير شوية ناس صغيرين، بتحب تبوسهم على خدودهم، أو تبوس روحهم. 
فاكر لما كنا زمان بنمشي وبندوّب الوجع في ذرات التراب اللي بتترمي ع الرصيف، وبيطيرها الهوا كل شوية؟ طب فاكر أول مرة كتبت حاجة كانت ف حب مين؟ ربنا أيوا، فاكر مدرسة الرسم بتاعة ابتدائي لما جمعت رسوماتي كلها وحطت جنبهم صورتي وعلقتهم ف المدرسة، وبنت عمي لما راحت المدرسة نفسها بعدها بكام سنة قالتلي لوحتك لسة متعلقه لحد دلوقتي، وبشوفها وأضحك. 
عارف الناس اللي زهقوا ومشيو واللي زهقوا وفضلوا مستنيين الفرج يخبط على باب قلوبهم، الصبر وهو مستخبي ف حضن حد من اصحابك، والضحك اللي بتلملمه زي ما بتلملم الياسمين من ع الأرض كل يوم بليل، عارف الزرع، والحلم اللي شوفته معاه وهو بيقولي "هما كلمتين واتقالوا مرة، أنا بحبك."
مبقاش عندي حاجات حلوة كتير زي زمان، ويمكن لما مشيت خطوتين ف سكة عرفت إنها هتضيق بيا ومش هعرف أرجع، وعرفت قيمة شوية المعافرة والعياط اللي بييجوا وقت ضيق، ندى وهي بتقولي مفيش حاجة تستاهل، وهي بتقولي أنا مش عارفة أنا بعاملك زي عبير كده ليه، ندى لما بتبقى حلوة وعنيها بتوعد كل الناس بحب.
مش هعرف أجيب سيرة كل الناس اللي بحبهم هنا، اللي بيعرفوا يدخلوا من غير ما يخبطوا ومبعرفش لما أشوفهم مضحكش وأنفض شوية الحزن اللي مركونين ونحكي ف أي حاجة عبيطة وننبسط. مبقيتش بكتب حاجات حلوة وبقيت بعك ف الكلام كتير، مبقيتش بعرف أركز مع حد وأفهمه قد إيه أنا موجوعة عشان الحيطة اللي كانت بتشيل عني هم كتير اتهدت من كتر الضرب، لما بحكي عن حاجة وأكتشف مدى الضرر اللي جوايا واللي بعافر عشان أصلحه، مش أخبيه. 
مش بعرف أعاتب عشان العتاب بقى بيسيب علامات وخرابيش كتير، بقيت بعمل زي القطط لما تبقى محتاجة الدفا تروح تتكلفت مع صاحبها جوا البطانية أو ف حجره وتنام من غير ولا كلمة، من غير حتى ما تبصله، وبيبقى كفاية إنه يلعب ف فروها ويغنيلها عشان الدفا يبقى بزيادة شوية كمان. 
ريحة الفل لما بيفتّح بتبقى حلوة، بحس ساعات إني ممكن أشيل الزرع معايا وطول ما أنا ماشية أخلي الناس تشمه عشان شوية الحب اللي فيه يتوزعوا واللي كان شايف حاجة وحشة ينساها ويسبح ربنا، عشان جميل، وجماله ف خلقه بيشاور عليه واحنا مش بناخد بالنا. وبننسى. 
كنت ف يوم بسأل ربنا وبقوله هو أنا مش بصعب عليك لما تشوفني كده؟ فترد السما عليا وتفكرني "دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم"، بص، أنا عارفة إن فرجك بيبقى خطوة واحدة بعيد عني وأنا اللي بقف وأقولك فين، متزعلش مني طيب، أنا عارفة إنك بتشوفني كتير وبتضحك لما أتلخبط وأنا بدعي وأقولك ف الآخر انت فاهم بقى، بكتبلك كتير، ولما بجزع أو بتعب بيبقى قلة صبر. خليني بس هنا ومتسيبنيش لوحدي كتير. 
فيروز بتغني اليومين دول برقة، لو كنت بتسمعها كنت عرفت إني بقلبك بتخبيني، وممكن تعلق الغيرة على عينيي، بس انت مبتسمعهاش. 
عزيزي فسدق، ممكن تقولهم ميزعلوش، أنا مش بعرف أطبطب بس بعرف أحضن. ممكن تيجوا وأحضنكوا كلكوا وننط من فوق السور سوا، يمكن نلاقي أرض خفيفة تشيلنا من غير ما نخاف نقع. 
:)


2014-09-18

غَيْث.


كنتُ أريد وصف الصداع النصفيّ المزمن..
كدليلٍ وحيد
على أن العمليات الكيميائية في مخّي الكبير
تسيرُ بشكلٍ منضبط.
كنت أنوي أن أبدأ: 
يداي لا تكفيانِ لإسناد رأسي.
لكنّي كتبت:
أن تمزق طلقة من مسدسٍ مجهول
استقراراً معتماً
تشوّش عظيم
تصدُّع
وارتطام شظايا ليس بينها سابقُ معرفة..
اللّذة أيضاً..
أن تنتفض مواضِعُ الإحتكاك بمجرد التذكُّر.

تباغتني إيمان مرسال من اللامكان، وسط الكتب المتزاحمة فوق مكتبي، القراءات المؤجلة والأخرى الحتميّة، بين كلّ شئ، أرقص معها في ممر معتمٍ لا أرى فيه موضع قدمي، أغفو دائماً لأرى مسوخاً ترتدي السواد وترقص هي الآخرى، بوجوهٍ ضاحكة وعيونٍ متربصة، فأرسم لأتخفف من الصداع والضجيج.
لا أكتب، لأنه سيبحث بحرص بين الكلمات عنه، وقد يمسك بجملة هاربة من النص تخبره أني لا زلت أذكره وأتألم، وبالرغم أني أعرف كيف يمكن أن أكتب دون أن يتمكن أحد من قراءتي، إلا أنني أخجل من نفسي، ومنه، فأصمت. 
لا زلت -بدأبٍ- أبحث عن سعادة، ويصر الجميع على إثباتِ أنها محض اختيار، فأختار بحرصٍ، متناسية ماضٍ من الإختيارات السيئة، وتاريخ طويل من الخوف والضجر، أختار بحرص أن أظل في مساحةٍ صغيرة دافئة، تبعد عن الجميع بنسبٍ متساوية، تمتلئ بأشيائي العبيطة، وألواني المتضاربة، والكثير من الموسيقى والكتب، ظللت أحاول الإختيار بحرص، بين أمور تصير رمادية ما إن تقع عليها عيني، فألجأ إلى العقل لحساب نتاج السعادة من بينها، دون إهتمام حقيقيّ، ودون أن أشعر بفرق فأظل أمضي إلى الأمام ولا أفكر، ولا أبحث عمّا قد يقع مني سهواً، لذلك كانت تبدو الإختيارات كلّها مريحة، ومتساوية، ولذلك -على الرغم من كلّ شئ- بكيت.
قد أحاول في تمرينٍ كتابي قادم وصف ضيق التنفس كما حاولت إيمان وصف الصداع النصفي المزمن، وأكتب كيف يدفعك شعور بالثقل إلى رغبةٍ ملحة لنزع جلدك البالي والقفز من مرتفع عالٍ علّك تعرف طريقاً إلى الهواء، أو يعرف الموت طريقه إليك.
ثم تنتفض مواضعُ الإحتكاك، بمجرد التذكَر.
تجلس أمي قبالتي، بهدوء لم أعتده، لا تقاطع صمتي، ولا تحاول، تخبرني فقط بأنها قد يئست، ولم يعد في يدها أي حيلة، أبتلع صمتي بصعوبة، وأحاول أن أنطق، فلا أجد الصوت وتختفي الكلمات كلّها فجأة، صحراء جرداء، حارّة، بلا ظلٍ يقيني ويقيها بُعد المسافة والألم، وبلا قطرة مياهٍ واحدة، تصير هي هاجر، عجوزٌ تائهة، وأصير أنا كما أنا، بلا نبوّة أو كرامة، لا شئ يتفجّر تحت قدمي سوى المزيد من البكاء، والعطش. 
تحتضنني بشدّة، وتنتظر.. ودائماً ما تُمطرُ في النهاية.


This title was intentionally left blank.

صديقي الأزرق الصغير، ألم تتلاشى بعد؟ أخبرني كيف كان نهارُك بعد تلك الليلة المضنية؟ ألا تزال ترفع عينيك إلى السماء و تصرخ بغضب؟ أعرف....