2014-09-29

شبّاك إزاز..




وجهي، يشبهُ قطعة ثلجٍ على وشك الذوبان، يمتلئ ببثور تشبه تصوّري عن بعض الأشخاص على وجه الأرض، أتذكر وجهه الحيادي فتنتفخ أجفاني ببكاءٍ مكتوم، أستسلم لحقيقة الأمر وأتجنب مواجهته كلّ يومٍ في المرآة، أغسل وجهي مراراً بمياهٍ ساخنة علّه يذوب، ويختفي. 

أقرأ لإيمان مرسال، فتنتابني رغبة ملحة لكتابةِ قصيدةٍ عنك، عن رأسي الممتلئة بأشباحك تبتسم إليّ -دائماً- بازدراء، ثم أقرأ لدرويش فأتذكر حزناً خبأته بحرصٍ تحت جلدي، فأفترش أرضاً تمتلئ بصورٍ مختلفة عني، لم تعد تشبهني بعد الآن.

يوماً ما سأحكي عنك، لحيتك التي تشبه ذكرياتٍ متمردةٍ على قوانين الإزالة، تستعصي على الشفراتِ الحادة، عينك المختبئة بحرص، تحت واجهةٍ زجاجيةٍ للقسوة، وابتسامتك التي لا تصلح لصناعةِ قوس قزح، بل تشبه مطراً صيفياً يباغتني وسط الصخب والجفاف، دائماً. 

كان يمكنني أن أصيرَ قدّيسة بسهولةٍ بالغة، أوزّع أزهاراً بيضاء على المحرومين، وأصنع كعكاتِ حب دافئة لا تصلح سوى لشفتيك، لكنّي توقفت عن الإدعاء، خلعت عنّي ردائي الطويل، وارتديت ثوباً ضيقاً، يشي ببياضِ جسدٍ اعتاد الإختباء وادعاء الخجل، دون أن يستحي فعلاً، وقفت أمامك، غاضبة، باكية، وشهيّة.

كان يمكنني أن أخبرك ببساطة أن قلبي ممتلئ بالكنوز التي تحتاج لأناملك السرية كي تكتشفها كلّها، ولذلك ربما لا أسمح لأحد باللإقترابِ مني، لكني تركت نافذتهُ على مصراعيها -عمداً- كي تختلس النظر، وتكتشف بنفسك فقري المخبأ بعنايةٍ وسط أكوام من الندم.

كان يمكنني أن أحبك كما تقول أميمة -أكثر-، وكما تغنّي فيروز بعشق، لكني ظللت أردد "أنانية، وحقيرة" واختبأت وحيدة أعض على أناملي، وأبتلع دموعي مراراً، وأرى ثقباً شديد الظلمة آخذ في الإتساع..
لكنّي تركتُك كعادتي، وحيداً.

كنت أريد أن أكتب الشعر حتى أعدل عن استخدام ضميرٍ للغائب، يشير بإصرارٍ إليه، كنت أريد أن أضبطه ملتبساً، يرى الأسهم تشير إلى الإتجاهاتِ كلّها، فأضحك لأني أكتشفت غباءَه ببراعة، لكني ظللت أكتب على سطرٍ واحد، وأكرر الحروف فتسقط المعاني بين يديّ الجميع واضحة، وقحة، ومباغتة. 
وظلّ هو -كعادته- يتعثّر ولا يعرف أين يمكنه أن يقتلني ببطء، دون أن أكشفه. 

لم أكن أدرك -حين امتلأت عينها بالدموعِ فجأة- أن البكاء يمكنّه يؤذيني بتلك القسوة، كنت أردد باستياء أني قبيحة، حين كانت تحكي عمّا بها دون أن أمتلك الشجاعة الكافية لأن أقطع حديثها وأسألها كيف يمكننا أن نمتلك أرواحاً بذلك الثقل، وقلوباً كقلوبنا، منكسرة دائماً، لكن الحائط كان صلباً، وبارداً، وبدا كأنه أنسب مكانٍ يمكنني أن أترك رأسي فيه دون قلق. دون أن يؤرقني التساؤل ثانية.

وصلتُ إلى هنا، هنا حيث البدايات تبدو ساذجة وسخيفة، محمّلة بنتاجِ عامٍ ونصف من الدوران الذاتي والدُوار، وصلتُ أخيراً، حيث أدرك أني لم أكن يوماً مقاتلة، ولا أصلح سوى للكلام، ولذلك ربما أعود دائماً إلى ذلك الثقب الأسود، هنا، هنا نفسها، هنا الأبدية. 




2014-09-22

وخبيني ما تخبيني..


عزيزي فسدق. 
تحية طيبة وبعد.. 
فاكر كاثلين كيلي وهي بتقول إنها بتـ get lost in words في كتاب ما وعشان كده قرته متين مرة أو أكتر؟ أنا بجيت لوست زيها، بس مش ف الكلام بس، ف الناس، والتفاصيل، والونس. 
ماما، لما قالتلي حقك عليا وأنا بحكيلها عن وجع مستخبي جوايا بقاله كتير، و طبطبة إيدها، دينا وهي بتصوّر، والنور اللي بيبقى طالع من عنيها لما الصورة تطلع حلوة، دينا بتصوّر بقلبها، وغادة بتغنّي ساعات، والصوت مش بيبقى طالع من أحبالها الصوتية على فكرة، هو طالع من نقطة صغيرة محدش بيشوفها غير شوية ناس صغيرين، بتحب تبوسهم على خدودهم، أو تبوس روحهم. 
فاكر لما كنا زمان بنمشي وبندوّب الوجع في ذرات التراب اللي بتترمي ع الرصيف، وبيطيرها الهوا كل شوية؟ طب فاكر أول مرة كتبت حاجة كانت ف حب مين؟ ربنا أيوا، فاكر مدرسة الرسم بتاعة ابتدائي لما جمعت رسوماتي كلها وحطت جنبهم صورتي وعلقتهم ف المدرسة، وبنت عمي لما راحت المدرسة نفسها بعدها بكام سنة قالتلي لوحتك لسة متعلقه لحد دلوقتي، وبشوفها وأضحك. 
عارف الناس اللي زهقوا ومشيو واللي زهقوا وفضلوا مستنيين الفرج يخبط على باب قلوبهم، الصبر وهو مستخبي ف حضن حد من اصحابك، والضحك اللي بتلملمه زي ما بتلملم الياسمين من ع الأرض كل يوم بليل، عارف الزرع، والحلم اللي شوفته معاه وهو بيقولي "هما كلمتين واتقالوا مرة، أنا بحبك."
مبقاش عندي حاجات حلوة كتير زي زمان، ويمكن لما مشيت خطوتين ف سكة عرفت إنها هتضيق بيا ومش هعرف أرجع، وعرفت قيمة شوية المعافرة والعياط اللي بييجوا وقت ضيق، ندى وهي بتقولي مفيش حاجة تستاهل، وهي بتقولي أنا مش عارفة أنا بعاملك زي عبير كده ليه، ندى لما بتبقى حلوة وعنيها بتوعد كل الناس بحب.
مش هعرف أجيب سيرة كل الناس اللي بحبهم هنا، اللي بيعرفوا يدخلوا من غير ما يخبطوا ومبعرفش لما أشوفهم مضحكش وأنفض شوية الحزن اللي مركونين ونحكي ف أي حاجة عبيطة وننبسط. مبقيتش بكتب حاجات حلوة وبقيت بعك ف الكلام كتير، مبقيتش بعرف أركز مع حد وأفهمه قد إيه أنا موجوعة عشان الحيطة اللي كانت بتشيل عني هم كتير اتهدت من كتر الضرب، لما بحكي عن حاجة وأكتشف مدى الضرر اللي جوايا واللي بعافر عشان أصلحه، مش أخبيه. 
مش بعرف أعاتب عشان العتاب بقى بيسيب علامات وخرابيش كتير، بقيت بعمل زي القطط لما تبقى محتاجة الدفا تروح تتكلفت مع صاحبها جوا البطانية أو ف حجره وتنام من غير ولا كلمة، من غير حتى ما تبصله، وبيبقى كفاية إنه يلعب ف فروها ويغنيلها عشان الدفا يبقى بزيادة شوية كمان. 
ريحة الفل لما بيفتّح بتبقى حلوة، بحس ساعات إني ممكن أشيل الزرع معايا وطول ما أنا ماشية أخلي الناس تشمه عشان شوية الحب اللي فيه يتوزعوا واللي كان شايف حاجة وحشة ينساها ويسبح ربنا، عشان جميل، وجماله ف خلقه بيشاور عليه واحنا مش بناخد بالنا. وبننسى. 
كنت ف يوم بسأل ربنا وبقوله هو أنا مش بصعب عليك لما تشوفني كده؟ فترد السما عليا وتفكرني "دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم"، بص، أنا عارفة إن فرجك بيبقى خطوة واحدة بعيد عني وأنا اللي بقف وأقولك فين، متزعلش مني طيب، أنا عارفة إنك بتشوفني كتير وبتضحك لما أتلخبط وأنا بدعي وأقولك ف الآخر انت فاهم بقى، بكتبلك كتير، ولما بجزع أو بتعب بيبقى قلة صبر. خليني بس هنا ومتسيبنيش لوحدي كتير. 
فيروز بتغني اليومين دول برقة، لو كنت بتسمعها كنت عرفت إني بقلبك بتخبيني، وممكن تعلق الغيرة على عينيي، بس انت مبتسمعهاش. 
عزيزي فسدق، ممكن تقولهم ميزعلوش، أنا مش بعرف أطبطب بس بعرف أحضن. ممكن تيجوا وأحضنكوا كلكوا وننط من فوق السور سوا، يمكن نلاقي أرض خفيفة تشيلنا من غير ما نخاف نقع. 
:)


2014-09-18

غَيْث.


كنتُ أريد وصف الصداع النصفيّ المزمن..
كدليلٍ وحيد
على أن العمليات الكيميائية في مخّي الكبير
تسيرُ بشكلٍ منضبط.
كنت أنوي أن أبدأ: 
يداي لا تكفيانِ لإسناد رأسي.
لكنّي كتبت:
أن تمزق طلقة من مسدسٍ مجهول
استقراراً معتماً
تشوّش عظيم
تصدُّع
وارتطام شظايا ليس بينها سابقُ معرفة..
اللّذة أيضاً..
أن تنتفض مواضِعُ الإحتكاك بمجرد التذكُّر.

تباغتني إيمان مرسال من اللامكان، وسط الكتب المتزاحمة فوق مكتبي، القراءات المؤجلة والأخرى الحتميّة، بين كلّ شئ، أرقص معها في ممر معتمٍ لا أرى فيه موضع قدمي، أغفو دائماً لأرى مسوخاً ترتدي السواد وترقص هي الآخرى، بوجوهٍ ضاحكة وعيونٍ متربصة، فأرسم لأتخفف من الصداع والضجيج.
لا أكتب، لأنه سيبحث بحرص بين الكلمات عنه، وقد يمسك بجملة هاربة من النص تخبره أني لا زلت أذكره وأتألم، وبالرغم أني أعرف كيف يمكن أن أكتب دون أن يتمكن أحد من قراءتي، إلا أنني أخجل من نفسي، ومنه، فأصمت. 
لا زلت -بدأبٍ- أبحث عن سعادة، ويصر الجميع على إثباتِ أنها محض اختيار، فأختار بحرصٍ، متناسية ماضٍ من الإختيارات السيئة، وتاريخ طويل من الخوف والضجر، أختار بحرص أن أظل في مساحةٍ صغيرة دافئة، تبعد عن الجميع بنسبٍ متساوية، تمتلئ بأشيائي العبيطة، وألواني المتضاربة، والكثير من الموسيقى والكتب، ظللت أحاول الإختيار بحرص، بين أمور تصير رمادية ما إن تقع عليها عيني، فألجأ إلى العقل لحساب نتاج السعادة من بينها، دون إهتمام حقيقيّ، ودون أن أشعر بفرق فأظل أمضي إلى الأمام ولا أفكر، ولا أبحث عمّا قد يقع مني سهواً، لذلك كانت تبدو الإختيارات كلّها مريحة، ومتساوية، ولذلك -على الرغم من كلّ شئ- بكيت.
قد أحاول في تمرينٍ كتابي قادم وصف ضيق التنفس كما حاولت إيمان وصف الصداع النصفي المزمن، وأكتب كيف يدفعك شعور بالثقل إلى رغبةٍ ملحة لنزع جلدك البالي والقفز من مرتفع عالٍ علّك تعرف طريقاً إلى الهواء، أو يعرف الموت طريقه إليك.
ثم تنتفض مواضعُ الإحتكاك، بمجرد التذكَر.
تجلس أمي قبالتي، بهدوء لم أعتده، لا تقاطع صمتي، ولا تحاول، تخبرني فقط بأنها قد يئست، ولم يعد في يدها أي حيلة، أبتلع صمتي بصعوبة، وأحاول أن أنطق، فلا أجد الصوت وتختفي الكلمات كلّها فجأة، صحراء جرداء، حارّة، بلا ظلٍ يقيني ويقيها بُعد المسافة والألم، وبلا قطرة مياهٍ واحدة، تصير هي هاجر، عجوزٌ تائهة، وأصير أنا كما أنا، بلا نبوّة أو كرامة، لا شئ يتفجّر تحت قدمي سوى المزيد من البكاء، والعطش. 
تحتضنني بشدّة، وتنتظر.. ودائماً ما تُمطرُ في النهاية.


2014-08-30

تمرين كتابي - 4


لا شئ يبدو مهماً بالنسبة له، فقد كلّ أسنانه، وارى زوجته التراب، وبقى وحده في دارِ للمسنين، يلعب كلّ يوم طاولة ودومينو مع باقي النزلاء، يعجز فجأة عن تذكر أي يوم من الأسبوع هو، لكنّه يظل يكتب الشعر ويتندر بأن أحمد رامي  سيموت كمداً حين يقرأ قصائده العبقرية، زاره أحد أبنائه ذات مرّة، ترك للدار بعض النقود الباردة، قبّله على رأسه ومضى، يتحدث كثيراً بالمناسبة، لا يمكنك أن تتخلص من أفكاره التي تندفع رغماً عنه طلباً للصحبة، يكره الوحدة والملل، ولذلك ربما لا يمتلك مسبحة كباقي العجائز يعد بها الدقائق بانتظار الموت، بل إنه يخرج أحياناً دون علمهم ليعاكس البنات الحلوة في الشارع، يشتري بعض الزهور ويجلس بانتظار حافلة توصله إلى البحر، وحين يجدوه أخيراً، يضحك لأنه لم يعد يذكر أغنية وردة التي شغلت بها عبد الناصر وقت النكسة، ويظل يعدد معهم أسماء من ماتوا في كتيبته، وكيف أنه استطاع أن يباغت العدو بطلقة اخترقت رأسه وقلبه في آن واحد، الكثير من الخطوط ترتسم على وجهه حين يضحك دون داعٍ، وشيب رأسه يزداد بياضاً حين يغازل الممرضة ويطلب منها أن تطفئ الأنوار لأنه يحب أن يبكي دون أن يراه أحد، ثم يعاتبها لأنها أطاعته وهي تعرف أنه يكره الظلام. 

الله كبير، ترددها فيروز في حلاوة، فتهتز رأسها وهي تدندن معها في راحة، لا تزال جميلة، شعرها بني قصير، وعيناها ناعسة دائماً، ترتدي بيجامة مفتوحة لتسمح للهواء بملاطفة جسدها الأبيض، تتذكر حين كانت تقف عاجزة عن الحركة والحياة، الغرفة المظلمة الضيقة، البكاء اليومي، الطعام القليل والشاب الذي كانت تحبّه صمتاً وخذلها، الجامعة ومحاولات إيجاد عمل، أبوها الغاضب وزوجة أبيها الماكرة، المشي الطويل لتخفيف الحزن والوجع، تذكر كلّ ذلك وتضحك، تقف في شرفة صغيرة، تطل على شارعٍ محدود، خالٍ من الضجيج رغم امتلاءه بالناس، بائعوا الونس والخضار، عربة الفول الصباحية، وأطفال يحاولون الإمساك بكرة صغيرة تفلت من أرجلهم دائماً، تمتلك طفلين، وزوج قصير، وراديو يبث أغنيات لفيروز دون انقطاع، يحبّها كثيراً أيضاً، ويحب أن يقبلها كلّ مرة تصنع فيها كوباً من الشاي المثاليّ، وتحب أن تجلس عند قدميه في دلال، تتنائر الصور على حائطٍ بالداخل ممتلئ بالوجوه الباسمة، تسميه حائط السعادة، وتعلق في منتصفه آية كتبت بخطٍ كبير منمّق، تسقط عليها الشمس عصراً فتزداد جمالاً، تقرأها كلّ يوم سراً فيمتلئ قلبها بنورٍ خفيّ، نور لا يراه إلا من يعرف أنه "وإن تَعُّدّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا".

"تفتكر احنا ممكن نطير من غير ما نقع؟"، ينظر إليها، تلك التي لا تكف عن الأسئلة، فتجبره على التفكير في إجابة دائماً، إجابة غير منطقية لكنّها كافية لجعلها تسأل سؤالاً آخر، لم يكن يعرف أن يختبئ كلّ ذلك الحزن بداخلها، لكنّه يعرف أنه في نوبات البكاء العصبي القادمة سيمسك يدها ولن يرتبك، لن يبكِ، أو يسأل بعصبية "بتعملي ف نفسك كده ليه"، ينتبه إلى الطريق أمامه، يزيد من السرعة فيصطدم الهواء بوجهها المستند إلى النافذة، تغمض عينيها وتبتسم، يرى ابتسامتها فيسير بسرعة أكبر، لا يفكر، لا تتحرك أي إشارة في دماغه لتوقفه عن جنونه، لا شئ، هو فقط يتمسك بتلك اللحظة الصغيرة لتدوم أطول وقتٍ ممكن، يزيد من السرعة تلك المرة ليحاول الطيران فعلاً، يعرف أن احتمال الصدام وشيك، وبأن حادثة سيئة قد تقع، لكنه لا يهتم، يقفز إلى ذهنه سؤال أخير "هو احنا مينفعش لما نقع، نقع لفوق؟" يصطدم الهواء برأسه، يتخلل شعره القصير، يسري في أنفاسه الساخنة فيمتلئ بالضحك، يضحك حتى تدمع عيناه، فيتوقف، يحتضن يدها بين كفية، فتحركهما ببطء، ليصلا إلى شفتيها بهدوء، يتوقف الزمن دائماً هُنا، وهنا فقط، عند شفتيها، وللمرةِ الأولى يعرف أخيراً إجابة السؤال.


2014-08-23

السبت تلاتة وعشرين تمانية ألفين واربعتاشر

كل ما يأتي محض هلس، آه والله. يلا سلام
هو يوم آخر، ليس له أي قيمة سوى أنه مزنوق وسط جدول مذاكرة رتيب، يتضمن الكثير من الجهد وضبط النفس عشان نلحق نخلص، استيقظت بسبب ذبابة رخمة ظلت تصدر أزيزها المزعج حولي، وحلم سئ آخر يتضمن شحاتين يمسكون بي في إصرار لأخذ اللي حيلتي من النقود، ظللت أحاول التملص والصراخ لكن أحداً من المارين في شارع عمر بن عبد العزيز المزدحم لم يلتفت لي، لم يبق سوى خمسة جنيه تكفي لتاكسي يروّحني، لكنّهم أخذوها على كل حال، حاولت الهرب ثم تحوّل المشهد فجأة لمقطع من فيلم البؤساء الأخير، حيث ظللت أغني بصوت مكتوم وأنا أبكي، يلعن أبو ده لا وعي يا جدعان، يوديني مرة داعش ودلوقتي فرنسا ما قبل الثورة، أقوم وأمري لله وأحاول أن أجد دافعاً جديداً لاستنفاذ الأنفاس الباقية لي هذا اليوم. أحسب الساعات والدقائق، كتير كده كتير، كم المذاكرة محبط خلقة، أتذكر أن الكسل والدهون تتراكم تحت جلدي فأحاول أن أقفز مؤدية تمرينات صباحية عشوائية، ضحكت على شكلي وجهزت لي فطار وقعدت..
المهم في هذا كلّه أني أخذت أعدد الأسباب التي قد تجعل مني زوجة مفيدة، أولاً أنا بحب المكوى جداً، لن أتململ حين يلقي في وجهي بالقميص بتاعه ويقولي اكويه بسرعة، أحب سخونة المكواة وقوتها في فرد كل ما يمكن أن يتكرمش، دليل آخر على أن شخصيتي إصلاحية بحتة، ودليل آخر على أني أصلح لأن أكون ميكانيكي وببراعة. 
ثانياً، بحب غسيل المواعين، آه والله، الصابون والنضافة، أشعر براحة حين أعيد كلّ شء إلى مكانه، تنظيم الأطباق، الأكبر ثم الأصغر، ترتيب الكوبايات زي ما كانوا بقعدونا ف الفصل الطويل ورا والقصير قدام، تنظيف الحوض وترك المياه تنساب دون أن يعلق بها أي شوائب، على الرغم من أني مبساعدش أمي كتير، بس أنا بحب الحاجات دي.
ثالثا، نشر الغسيل، هوايتي المفضلة في أوقات الفراغ، لا أعرف بالتحديد مالذي يستهويني في هذا الأمر لكنّه يريحني كثيراً، تستغل أمي هذه النقطة دائماً وتدبسني في الغسيل بحجة إني أفوق من المذاكرة، وعادة ما تنجح في استغلالها. 
رابعاً، الطبيخ، مجربتش قبل كده أتعمّق فيه بس أنا عارفة إنه فن، والأهم من أنه فن هو أنه بيتاكل، أحتاج فقط إلى تعلّم بعض الأساسيات ووقت فراغ كافي لإجباري على فعل شئ مفيد بجانب التحديق في سقف الغرفة. 
المهم هو أني أجد صعوبة في فتح الكتاب، وتظل تلك الخلايا الرمادية المزعجة ترسل إشارات عصبية ملهاش لازمة إلى جميع أنحاء دماغي، فتصنع مهلبية من الأفكار ستحتاج إلى موضوع أكبر من ده عشان تتصفّى، ده غير إن فكرة الجواز صارت غير مريحة بالمرة، وأن أبويا مش بيقتنع بيا ف أي حاجة، منذ أن سألني سؤال طبي آخر مرة وقولتله معرفش، أراقب عمّال البناء في الجهة المقابلة وأتمنى لو كان ينفع أقعد ف البتاعة اللي بيطلعوا فيها الأسمنت لفوق دي، أنا عايزة أروح ملاهي، هسافر يومين وهضيع وقت، لازم أذاكر بقى، لازم أبطل آكل برده، هو أنا هفضل ف الفضا ده كتير، ينفعش الكتاب ده يخلص لوحده طا؟
على العموم أعرف طرق مفيدة أشبه بصنع خرم في نافوخي لإخراج كلّ شئ بصورة دورية لكنّها تستهلك الكثير من الوقت والطاقة، لذلك تبدو الكتابة حل يسير، وسهل، لذلك لن أجد حرجاً في أن أخبركم أني زهقت، وبأني أخطو بخطاً ثابتة بعيداً عن الراحة وبعيد عن ربّنا، أصلاً أصلاً كارما دي جزمة، وبتثبت إني مهما حاولت أدور على إجابة مش هلاقي، أعرف أني أخطأت وأحمل تبعات أخطائي كلّ يوم، أذكر نفسي بها كي لا أنسى، وأحاول أن أسامح نفسي أيضاً، لكن المحاولات بائسة وفاشلة، عدت إلى الزرع بتاعي، لا تزال الميتوكندريا تعافر لأجل البقاء، الثانية عشرة والنصف ظهراً، لسة فاضل شوية على الجنان يا مُنى، سأغلق هذا البتاع وأقرأ لعز الدين شكري فشير وأسمع كولدبلاي وربما أرسم ظلاً وأملؤه بالنجوم وأنا أغني cause you're a sky full of stars..
الدعا حلو، أتذكر نفسي منذ سنين مضت وأعرف أن التغيير قادم، وحتميّ، لم أعد أهتم إن كنت أصير للأسوأ، أحاول أ embrace my imperfections وحين يلقي أحدهم في وجهي بإني ضعيفة وهبلة لا أغضب، أعرف ذلك تماماً، توقفت عن وضع المبررات لما أفعل، ألمس حواف ثقوبي كي أعرفها بدقة، ولا أهتم لإصلاحها أيضاً، صرت أكره التجمل ومحاولات خلق فرص أفضل للظهور، أنا فوضوية وعبثية، وليس لدي أي رغبة في إظهار عكس ذلك أو إخفاؤه، هاوس ترك أثراً بعقلي يجعلني أراه وهو يوبخني كلّ مرة أهم بتبرير ما فعلت، أو كل مرة أنكرت حقيقة بداخلي، أصفع عقلي وأنا أردد بطريقته you moron، وأجلس على حافة السب كونشس واضحك. 
أتذكر ريهام وهي تكتب عن البنت اللي مليانة ديفوهات، أنظر لسنتي المكسورة وأبتسم، أبدو بلهاء، لكنّي - سيربرايزنجلي- مبسوطة كده!

2014-08-20

تمرين كتابي - 3



هل تذكر المرة الأولى التي أخبرتك فيها عن نيفرلاند؟ مملكتي التي لا تكبر أبداً؟ لا تذكر. ولا أنا أيضاً. 
كان هناك حبّات رمّان ترقص كثيراً على موسيقى غجريين مجانين، أحب الغجريين كثيراً، بعيونهم الثاقبة الكحيلة، شعرهم المجهد ووسامتهم المبالغ فيها، أيضاً أحبهم لأنهم لصوص وقطاع طرق، يرقصون في كلّ مكان، ويشربون الكثير من العنب. 
مللت الكتابة عن أخطائي، ولم أعد أتذكر عن ماذا كنت أكتب قبلاً، حتى وقعت جنية في يديّ صدفة وطلبت مني أن أؤمن، لأن هناك جنية في هذا العالم تموت كلّ يوم، لأن لا أحد يؤمن، أو يصدق. 
خذلتهم جميعاً، ونفدت من جعبتي الحكايات. 
لكن لا يهم، لنبدأ من جديد. 

---

قد لا تراها عينيك جميلة للوهلة الأولى، فهناك سمرة تعتلي وجهها الصغير رغم كبر سنها، أنفها دقيقة وعينها ضيقة وسوداء، وشعرها متهدل وكثيف، وأسود، ليست حورية تائهة فهي ممتلئة، وطويلة، تصلح لأن تكون أماً مثالية، وجدّة حنون وخفيفة، ترفع ثوبها لتريك موضع الألم فتدرك أن ما يتراكم تحت جلدها الناعم ليس سوى الحب والحلوى. 
تمتلك خزائن ممتلئة بالفاكهة، والطعام، تصنع لك بطاطا حلوة كلّ صباح مضيفة ملعقتين من العسل، لتحيل يومك الكريه إلى بداية معسولة ومميزة، تنمو على حواف يديها زهور برية، سرعان ما تكبر لتغطي جسدها كلّه، فتصير رائحتها كرائحة بخور هنديّ لا تمل منه أبداً.
ورغم أن ضحكتها صافية وهادئة، إلا أنك ترى الحزن يعلو عينيها كل حين وآخر، خاصة حين تتساءل بشغف عن الملائكة، والرحمة، والنور الذي يعلو السماء فجأة فتسميه طاقة القدر، فتظل ترتل من الآيات ما يكفي ليروي ما بها من اشتياق، وتبكي حتى يخفت الحزن ويهدأ.
كانت تميل رأسي على صدرها وتضمني برفق، لتصنع من الفاتحة والدعاء غطاء شفيف يطرد أفكاري السيئة، وأحلاماً مزعجة تطاردني، أضحك كثيراً أيضاً حين تخطئ فتبدل الحروف مكان أخرى، فتطلب مني أن أظل معها لفترة أطول كي لا يضيع الـ "نوس" ولأنها تصير مثلي أحياناً، وحيدة.
قد لا تراها عينيك جميلة للوهلة الأولى، لكنّك حالما تغادر دفئها ستعرف أنها كانت تشبه الفانيليا، بيضاء، ومثالية.

2014-08-08

وإيه ف الدنيا بيتحرك؟ هه؟


you said sometimes I wish the sun didn't come out, at all..

لو حاولت أعد مصادر السعادة اللي حواليا دلوقتي، هيبقى صوت المزيكا اللي خارج من سماعة اللاب، الدقة الخفيفة لبيانو ف الخلفية وحركة إيد على جيتار، وصوته وهو بيقول just the good days، الياسمينة اللي وقعت ف البلكونة ع الأرض وخدتها، واكتشفت إنها ورقة واحدة هشة جداً، بتاخد يوم أو أكتر على ما تطلع، ونص ساعة بالظبط عشان تفتح، ويوم عشان تقع ويطلع مكانها جديد، الورق الصغير اللي بيبقى لسة هيكبر، الكام مليون mitochondria اللي حواليا وبيعافروا باستماتة، وبيعملوا اللي مبقدرش أعمله، الكتاب اللي أخدته من دينا امبارح، والتاني اللي خدته من سناء، والمصحف فوقيهم مستنيين المزيكا تخلص عشان أستخبى فيهم، علبة المناديل اللي جبتها احتياطي عشان البرد اللي خفيت منه خلاص، على أمل إن ربنا يكون شال بيه شوية حمل من عليا، والفيلم اللي شوفته امبارح، وافتكرتك.

Yeah it was cold out, yeah it was freezing down rain
yeah and it will let up if we all screamed for the change
yeah but you just stood there and you started to shake

 وبعد الهروب وجو السسبنس اللي عملته، مشيت من كل حتة واستخبيت، بقيت لما بقابل حد صدفة بحس معنى إن حد يوحشك فعلاً، فقد الضحكة اللي كانت بتجمعكوا حتى ف وسط كل الشغل والمشاكل، وعلى الرغم من كده ف آخر اليوم بفضل حاسة إنهم أحسن وأنا بعيدة، وجودي كان فادهم ف إيه؟ ولا حاجة، الفرجة على هاوس خلتني أتغابى وأبطل لف ودوران ومبررات ملهاش لازمة، أنا أصلا بعمل ده كلّه عشان مفكرش ومواجهش مخاوفي، عشان أقنع نفسي إن كده أريح لهم وأنا عارفة إني بريح نفسي، الدولاب بقى بيتملي حاجات مش عايزة أفتكرها بتفضل تتكوم لحد ما تطلع ف تصرفاتي وأنا مش واخدة بالي، يبقى حد محتاج مني كلمة حنينة وألاقيني بقوله كلام يزعل، عشان يفوق؟ عشان أنا زهقت؟ عشان إيه؟ معرفش، مين كان قال إن التغيير حلو؟ محدش بيتغير أصلاً، إنت بس بتتأقلم على المستجدات، بتعدّل ردود فعلك عشان تتناسب مع الظروف الحالية، وبتحاول متزعلش على حاجة ولا على حد عشان اللي باقيين عليك اتنين أو يمكن واحد، بتقنع نفسك إن مفيش حاجة هتفرق ومكانك ف منظومة الخلق مش هيتأثر لو انت مش هنا، كل حاجة هتمشي ف طريقها عشان انت كنت عامل زحمة ومفكر إنك هتعدلها وهتمشيها صح، وهي كده كده ماشية، وبتفضل تقنع نفسك وتزكن لحد ما تقف قدام فعل صغير وتافه من حد يوجعك، ويخليك تعيط عشان انت عارف إنك لوحدك، وإنهم كانوا فارقين، وإن حياتك واقفة مبتمشيش زي ماكنت متخيل.

you said it ain't the dark you're afraid of, it's the light.

 الـ chemicals جوا دماغي مملة جداً، واللاوعي عارف كل حاجة ومدكّن، عارف أنا ليه مش عارفة أشيل الـ snow ball من مكانها وأخبيها رغم إني شيلت كل حاجة تانية، عارف ليه بضيع وقت الصبح كلّ يوم وأنا بفكر هلبس إيه النهاردة، وليه بضحك عادي وبستنّى رغم إنهم دايماً بيمشوا، عارف ليه أنا قلبي اتقبض لحظة لما الرصاص طلع من بنادقهم ف الفيلم، وعارف ليه حسيت إني بتخنق لما الممثلين كلهم سكتوا، وليه دايماً بيخليني أحلم إني بموت ف حادثة والدنيا بتضلم جداً ومش بشوف ملايكة، عارف كويس أوي ليه لما النور قطع امبارح مقومتش من مكاني، مكلمتش حد رغم إني محتاجة حد جنبي، وليه مفتحتش المصحف عشان ربنا يكلمني، وليه ملوّنتش ولا كلت ولا حتى ولعت نور، وليه ضحكت لما ماما سألتني اذا كنت كويسة، وبرغم كل حاجة هو عارف إني بهرب وبتجنب الحاجات اللي مش لاقيالها حل، أو مش عارفة آخد فيها خطوة، وبيسيبني لحد ما يشوف آخرتي إيه، وأنا خايفة من اللحظة دي فعلاً.

and you said sometimes I wish the sun didn't come out, at all
yeah just the good days.. 
just the good days.

 لو جينا نعد مصادر البهجة اللي حواليا دلوقتي، هنلاقي منهم البيجامة الي مليانة ورد، علبة الدبابيس الملوّنة اللي بحطها ف كتبي، والورقة الصغيرة اللي حد كتبلي فيها "متتكسفيش"، والقلم والنوت و إزازة فيها مسك من ريحة خالي، وإني عارفة إن إيمان هتيجي بكرة وتقضي معايا يومين، وفراشة ملزوقة على المراية من تلات سنين فاتوا كان فيها حلم وفرحة، وشوية صبر أمي دايماً تدعيلي بيهم، وبس.

song: Joe Purdy- Good days*

This title was intentionally left blank.

صديقي الأزرق الصغير، ألم تتلاشى بعد؟ أخبرني كيف كان نهارُك بعد تلك الليلة المضنية؟ ألا تزال ترفع عينيك إلى السماء و تصرخ بغضب؟ أعرف....